في السنوات الماضية شهدت المنطقة العربية تطورات عديدة، يمكن أن يكون لها تداعيات سياسية، وأبعاد استراتيجية على غاية في الأهمية والخطورة، الأول، يتعلق بالاحتلال الأميركي للعراق (2003). والثاني يتعلق بإخفاق حرب إسرائيل على لبنان (2006). والثالث، يتعلق بالانقسام الفلسطيني (2007). والرابع، يتعلق بتزايد النفوذ الإيراني في العراق وفي عموم الشرق الأوسط.

وربما أن تزايد النفوذ الإقليمي لإيران، هو بمثابة التطور الأهم، والأبرز، بين مجمل التطورات المذكورة، بالنظر لتداعياته على تحدي النفوذ الأميركي في هذه المنطقة، ولاسيما في العراق، ودعم جبهات المقاومة في مواجهة إسرائيل!

وتبدو مشكلة الولايات المتحدة إزاء هذا التطور على غاية في التعقيد، فهي التي أزاحت طالبان من أفغانستان، وبالتالي هي التي خلّصت الجمهورية الإسلامية في إيران من جارها الأفغاني المزعج، أي نظام طالبان. ثم هي التي أسقطت نظام صدام حسين، وأراحت إيران من الضغط الذي كان مثله لها العراق منذ قيامها (أواخر السبعينات).

ومعنى ذلك أن سياسة إدارة بوش هي التي تتحمل المسؤولية المباشرة وغير المباشرة عن تزايد نفوذ إيران في أفغانستان والعراق وفي عموم المنطقة؛ بشكل مباشر، وغير مباشر. ومن ذلك، فإن إيران، وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، باتت بمثابة معضلة استراتيجية للولايات المتحدة، بحكم عوامل عدة أهمها:

1ـ إعاقتها للترتيبات الأميركية في العراق، وازدياد نفوذها في التقرير بالشأن العراقي.

2ـ سعيها لامتلاك أسلحة نووية، ورفضها السماح برقابة دولية على منشآتها النووية، وتحديها للسياسة الأميركية في هذا المجال.

3ـ كونها أحد أهم مراكز تصدير الإسلام «الراديكالي»، ما يجعلها موصومة لدى الإدارة الأميركية بشبهة دعم الجماعات الأصولية والإرهابية.

4 ـ سياستها القائمة على «تصدير الثورة»، ما يجعل منها، بالنسبة للولايات المتحدة، من عوامل عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، لرفضها وجود إسرائيل، ونظراً لتحالفاتها الإقليمية، ودعمها حركات المقاومة الإسلامية.

معنى ذلك أن إيران، فضلاً عن عوامل قوتها الذاتية، تتمتع بقوة مضافة، تستمد من امتلاكها مداخلات جيوسياسية تمتد من الخليج إلى المشرق العربي (وضمنه موضوع إسرائيل) إلى دول آسيا الوسطى، ما يشكل تحدياً استراتيجياً كبيراً للولايات المتحدة، من جهة حرصها على تدفق الإمدادات النفطية، وضمان أمن إسرائيل، وسعيها للحفاظ على الأنظمة الحليفة في المنطقة، وحرصها على ترسيخ هيمنتها على هذه المنطقة الاستراتيجية لها ولهيمنتها على العالم.

لكن الولايات المتحدة هذه، وعلى رغم تعاظم المخاطر الناجمة عن تزايد نفوذ إيران، لاسيما مع اقترابها من تملك القدرة على إنتاج الطاقة النووية، تبدو في حيرة من أمرها، في التعامل مع إيران، خصوصاً على ضوء الإخفاق الأميركي في العراق، وفي ضوء ردود الفعل العكسية التي ولدها في المجتمع العراقي، وفي منطقة الشرق الأوسط، بالنسبة لمكانة الولايات المتحدة ومصالحها.

فوق ذلك، ففي المعادلات الجيوبولوتيكية في المنطقة فإن إيران تتمتع بعوامل قوة لا يستهان بها في معادلات الصراع مع الولايات المتحدة، من نواح، أهمها:

أولاً، أنها دولة كبيرة، وقوية، بمساحتها وعدد سكانها وإمكانياتها الاقتصادية والعلمية والمالية والعسكرية.

ثانياً، كونها تتمتع بمخزون نفطي بالغ الأهمية للإمدادات النفطية العالمية.

ثالثاً، إن حدود إيران ومداخلاتها الجغرافية والسياسية والأمنية تمتد من العراق والخليج إلى أفغانستان والجمهوريات الإسلامية المنسلخة عن الاتحاد السوفييتي (السابق)، وصولاً إلى تركيا وسوريا.

رابعاً، وجود كتل اجتماعية مذهبية (شيعية)، في بعض بلدان الشرق الأوسط، يخشى أن تتعاطف مع إيران، ما يشكل خرقاً للاستقرار في بعض البلدان، ولاسيما في منطقة الخليج العربي، حيث مصادر الطاقة النفطية للغرب.

خامساً، اعتماد إيران في سياساتها الشرق أوسطية، على خطابها المعادي لإسرائيل، وعلى علاقاتها الوطيدة بالحركات الوطنية الإسلامية المناهضة لإسرائيل (حزب الله في لبنان وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين).

كاتب فلسطيني