انتخابات الرئاسة الأميركية، هذا العام، محطة فارقة في تاريخ هذا الحدث. ما شهدته حتى الآن، في مرحلة التصفية الحزبية للمرشحين، غير مسبوق منذ إعلان استقلال هذا البلد قبل 232 سنة. وليس من المستبعد أن تنتهي المعركة يوم الرابع من نوفمبر القادم؛ في هذه الخانة، أيضاً.
لكن كيفما كانت خواتمها؛ فهي دخلت التاريخ من بابه العريض؛ لناحية المحظورات التي كسرتها، على صعيد المرشحين الذين دخلوا مضمار السباق إلى البيت الأبيض. السؤال الآن هو ما إذا كان هذا الجديد الخارق، في حلبة المنافسة؛ مرشحاً لينسحب ويترجم نفسه، على صعيد سياسة الولايات المتحدة الأميركية الخارجية، في عهد الإدارة الجديدة. خاصة إذا فاز بالرئاسة أحد رموز هذا الجديد. وبالتحديد أوباما؛الذي يحاول التمايز عن منافسيه.
الانتخابات هذه المرة، مختلفة بكل المقاييس. ما كان سائداً فيها من الأعراف والتقاليد، انتهى. انكسرت القواعد وجرى تجاوز المألوف. دخلت عناصر جديدة غير معهودة، في تاريخ الرئاسة الأميركيين. لأول مرة يقتحم هذه الساحة أميركي أسود.
أيضاً لأول مرة تقتحمها امرأة. ليس ذلك فحسب، بل صار من المؤكد أن يكون أحدهما، المرشح الرئاسي للحزب الديمقراطي. باراك أوباما، السيناتور عن ولاية إلينوي، لم يسبقه أحد من الأمريكيين الملونين؛ إلى هذا الموقع. فجأة قفز إلى الطليعة. والملفت أنه حظي بالتأييد العالي وفاز، في ولايات، نسبة السكان فيها من الأميركيين البيض، كاسحة.
أما منافسته، هيلاري كلينتون، السيناتور عن ولاية نيويورك؛ فقد صعدت هي الأخرى، إلى الواجهة وتفوقت بالتأييد على عدد كبير من منافسيها الذكور، والبارزين في الحقل السياسي ـ منهم أعضاء في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب أو حاكمية الولايات ـ؛ أو في قيادة الحزب الجمهوري. وأيضاً كان من الملفت أن الإقبال على الاختيار بين الاثنين كان عالياً جداً وأكثر من أي وقت مضى؛ خلال العقود الثلاثة الماضية، على الأقل.
وخلافاً للمألوف؛ فإن حسم معركة الترشيح الديمقراطي، قد تطول إلى حين موعد انعقاد مؤتمر الحزب، في الصيف القادم؛ بسبب التنافس الشديد والنادر بين كلينتون وأوباما؛ مع كل ما قد يتأتى عن ذلك من مردود سلبي على معركة الحزب؛ وبالتالي من خدمة غير مباشرة للمرشح الجمهوري، السيناتور جون ماكين؛ الذي حسم هذا الأسبوع معركة الترشيح لصالحه.
وإذا كان من السابق لأوانه الحديث عن الترجيحات النهائية للمعركة الفاصلة بعد ثمانية أشهر؛ إلا أن الذي لا جدال فيه، هو أن هناك حالة جديدة؛ في الساحة الانتخابية الأميركية. مزاج غير اعتيادي في صفوف الناخبين الأميركيين؛ لجهة خياراتهم وأولوياتهم.
والأهم لجهة استعدادهم للتخلي عن اعتبارات ومعايير؛ كانت تشكل دوماً بوصلتهم الانتخابية. نقلة تشي بأن الأميركي، المحافظ والتقليدي سياسياً، بات ينشد التغيير. ربما أن الحياة السياسية الرتيبة والمترهلة بعض الشيء ـ وبخاصة في السنوات «البوشية» السبع الأخيرة وسياساتها «الحربجية» المنفلتة والتي ترتبت عليها تكاليف باهظة ساهمت بقوة في دفعه بهذا الاتجاه. وهذا ليس بالأمر العابر.
