حين نريد أن نحرر أرضنا من الاحتلال، أو نسعى إلى إسقاط حاكم جائر وفاسد، من دون إراقة دماء أو تخريب وتدمير ممتلكات فإننا نكون بحاجة ماسة إلى تعلم ثقافة «المقاومة المدنية» التي تعني احتجاجا سلميا مباشرا على أفعال وسياسات الخصوم، ترمي إلى حرمانهم من السيطرة على المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، أو ردع من بين يدهم الأمر فلا يقدموا على اتخاذ قرارات أو الإتيان بسلوكيات وأفعال تضر مصلحة الجماهير الغفيرة.

وفي العلاقات الدولية فإن هذا النوع من المقاومة ينطوي على الاحتجاج السلمي ضد المنافسين والخصوم والأعداء، والذي من شأنه أن يرسل إليهم رسائل سياسية بليغة تتضمن تحذيرا وتهديدا لهم، بغية التأثير على سلوكياتهم وأفعالهم حيال الطرف المحتج.

ويعتمد هذا النوع من المقاومة على ثلاثة أشكال رئيسية لـ «اللاعنف» الأول يتمثل في صور رمزية، قولا وفعلا، لمعارضة الخصم أو إقناعه من قبيل الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات والعصيان المدني والمقاطعة السياسية والاقتصادية وتنظيم المسيرات والحداد السياسي.

وتكوين جماعات الضغط، واستخدام الإعلام المسموع والمرئي والمكتوب في الاحتجاج اللفظي والشفاهي، سواء كانت وسائل اتصال حديثة مثل المذياع والتلفاز والإنترنت، أو تقليدية مثل مختلف ألوان الفنون الشعبية كالموال والنكات والنوادر والأمثال والأغاني والملاحم والسير.

كما ينطوي هذا الشكل على تدبيج بيانات الرفض، وتقديم الشكاوى والالتماسات ورفع الشارات التي ترمز إلى قوى المقاومة والاعلام الوطنية وإرسال الخطابات إلى الخصم أو مناوئيه، وتنظيم الندوات والحلقات النقاشية، وعرض المسرحيات التي تنتصر للقضايا الوطنية.

والثاني ينطوي على «عدم التعاون» أو المقاطعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك من قبيل رفض التحالف مع الخصم، والامتناع عن تأييده، وتبني مواقف شفهية للدفاع عن كل من يقاومه، ومقاطعة الانتخابات وعدم التعاون مع المؤسسات الرسمية، ورفض الوظائف والمواقع البيروقراطية التي تعرضها السلطة، والانسحاب من الهيئات التعليمية والتربوية التابعة للحكومة، وإعلان حال عام من شق عصا الطاعة.

وحين يكون «الخصم» طرفا خارجيا أو دولة أجنبية فإن المقاومة المدنية تأخذ صورا أخرى أوسع نطاقا من قبيل الانسحاب من منظمات دولية، وتعليق الاعتراف، وتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي، وقطع العلاقات الدبلوماسية، وتأجيل أو إلغاء بعض الفعاليات، ورفض عضوية بعض المؤسسات والهيئات الدولية.

أما الثالث فيقوم على «التدخل غير العنيف» نفسيا من خلال تصرفات عدة مثل التعريض بالأعداء وفضحهم والصيام والصلاة وممارسة الضغوط الأخلاقية والإضراب عن الطعام والمضايقات غير العنيفة لهم، وجسديا مثل الجلوس خارج المكاتب رفضا للعمل، والمزاحمة والغمغمة والتجهم في وجه الظالم والغاصب.

واجتماعيا كتأسيس نموذج حياتي مغاير وتدشين مؤسسات بديلة ونظم اتصال مختلفة والتهديد بتكوين عصابات أو منظمات مسلحة، واقتصاديا مثل الإضرابات العنيفة أو التهديد بها وإقامة أسواق بديلة ونظم ومؤسسات اقتصادية مغايرة.

وتحدي مختلف أنواع الحصار والامتناع عن الشراء من بضائع الخصوم، أو تنفيذ سياسة الإغراق ضدهم، وسياسيا مثل تحميل أعباء جديدة ومضاعفة على الجهاز الإداري للدولة وإبداء عدم الخوف من السجن وممارسة الأعمال اليومية من دون التعاون مع الخصوم أو المحتلين وعدم طاعة القوانين المعمول بها وتشكيل حكومة موازية.

والمقاومة المدنية ترمي بالأساس إلى التغلب على العناصر التي تؤدي إلى خضوع الناس للسلطة حتى ولو كانت فاسدة ومستبدة، وطاعتهم لأولي الأمر وإن كانوا طغاة بغاة، إما بحكم اعتياد الرضوخ واستمرائه، أو للخوف من المساءلة والعقاب، أو وجود نوع من الالتزام الأخلاقي أو القيمي أو فهم خاطئ للدين يفرض طاعة السلطان مهما بغى وتجبر.

أو مراعاة المصالح الشخصية التي ستتضرر بل قد تنسف من جذورها حال خروج أصحابها على الحكم، أو إبدائهم أي درجة من التذمر ضده، علاوة على وجود ألوان من الروابط النفسية والعاطفية حيال حاكم بعينه أو إزاء فترة حكم بعينها، أو توافر مساحة من الانسجام مع بعض رجال السلطة.

فضلا عن غياب الثقة بالنفس والتي تؤهل صاحبها ليجهر برأيه وموقفه. فمثل هذه الأسباب للطاعة العمياء والتي يبدو أن البعد النفسي حاكما وحاسما فيها، يصعب معها انتقال الناس إلى المقاومة السافرة أو المسلحة لمحتل غاصب أو حاكم ظالم أو أفكار وتقاليد متخلفة، وتصبح المقاومة المدنية هي الخيار الأنسب والأفضل.

ورغم أن المقاومة المدنية قد قدمت نماذج ناجحة في أماكن عدة من العالم، مثل تركيع الاحتلال الإنجليزي في الهند وإرهاق السلطة العنصرية في جنوب إفريقيا قبل أن تنتقل المقاومة السوداء هناك إلى العمل المسلح فإن هذا النوع من المقاومة لا يلقى اعترافا عريضا من قبل الأغلبية الكاسحة من المؤرخين، الذين يصبون جل اهتمامهم على الكفاح المسلح في تاريخ الشعوب.

ولذا فمن النادر جدا أن نجد قادة المقاومة المدنية ينظر إليهم باعتبارهم أبطالا لأن أغلب أعمالهم تخلو من الطريقة الدرامية التي تكسو تصرفات المحاربين والإرهابيين و تفتقد إلى الطابع الأسطوري والغرائبي الذي يستقر في نفوس الأجيال المقبلة وأذهانها حين تنظر وراءها وتستعيد أيام المقاومة.

كما أن المقاومة المدنية تفتقد إلى إمكانية النظر إليها باعتبارها نظاما فكريا متماسكا، الأمثلة والنماذج والوقائع التي يرصدها المؤرخون لهذا اللون من المقاومة تبدو متفرقة ومعزولة مقارنة بالأعمال التي يمارس فيها العنف، وتسفك خلالها الدماء.

وأكثر من ذلك فإن المقاومة المدنية تبدو في نظر كثيرين هي «طريق العاجزين» الذين ليس بوسعهم أن يحملوا السلاح، أو هي الخيار المتاح حين تدرك الجماهير أن كلفة العمل المسلح باهظة ونتائجه غير مضمونة. وحين تفشل المقاومة المدنية فإن الناس يدينونها في حد ذاتها، أما حين تخفق المقاومة المسلحة فإن اللائمة تذهب دوما إلى الاستراتيجية أو التكتيكات المتبعة وليس إلى هذا النهج في الكفاح.

وينصاع المؤرخون في خاتمة المطاف إلى وجهة النظر المتغلبة والتي دائما ما تزكي الأعمال العنيفة، وتعتمدها طريقا أساسيا للنضال والمواجهة، كما أنهم يتماهون مع رؤية الطبقة المسيطرة، والتي يهمها دوما أن تهيل التراب على أي شيء يجعل الناس يدركون أن لديهم مقومات لمواجهة أي جور عليهم أو تعسف يلحق بهم لا تحتاج أبدا إلى امتلاك الرصاص والسلاح والقنابل التي تحوزها السلطة.

كما ينساق المؤرخون في الغرب إلى تحيز حضارة بلادهم إلى «العنف»، ويحذو مؤرخونا حذوهم في هذا الشأن. لكن في ظل عدم توازن القوى العسكرية بين أي مجتمع وبين الطامعين في أرضه وخيراتها أو الراغبين في النيل من معتقداته، ومع احتماء السلطة المستبدة ونظم الحكم الطغمائية بالجيش وإفراطها في استعمال الطاقة الأمنية، يصبح للمقاومة المدنية دور أساسي في صنع التحرير ونيل الحقوق.

وفي بعض الأحيان قد تمهد تلك المقاومة لمرحلة حمل السلاح، لكن بلوغ تلك الدرجة الحادة من المواجهة لا يعني الاستغناء عن سياسة اللاعنف، بل الأفضل أن ترافق هذه تلك، سواء داخل الجماعة أو التنظيم الواحد، أو في ظل توزيع الأدوار بين مختلف جماعات المقاومة.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: إلى أي حد نجحت «المقاومة المدنية» في تحقيق أهدافها؟ وهل شهد تاريخنا المعاصر وواقعنا الراهن تطبيقا لها؟... وفي المقال القادم، إن شاء الله، ستأتي الإجابة.

كاتب صحافي مصري