من الحكم العربية البليغة المثل القائل »أخزى الله الرأي الدبري« وهو الرأي الذي لا يهتدي إليه صاحبه إلا بعد فوات الأوان، وما اهتدت إليه القريحة العربية بفطرتها قبل قرون يحتاج إليه الآن كثير من مثقفينا، وكثير من المواقف تفقد كثيرا من قيمتها إذا جاءت في غير أوانها، وأحيانا تهتدي الفطرة وحدها إلى ما لا يهتدي إليه أصحاب الدرجات الأكاديمية المرموقة.

ومنذ سنوات والسياسة الفرنسية تتغير بعمق على نحو ستكون فرنسا بعده مختلفة تمام الاختلاف عن الصورة التي ألفناها لها على مدى عقود. ومن الكتابات القليلة التي تستحق الإشارة إليها في هذا السياق المقال البديع الذي كتبه الدكتور أحمد القديدي »هزيمة العلمانية في بلادها« (البيان 27 – 2 – 2008). والتغيير الذي تشهده فرنسا يتجاوز كثيرا صعود »الساركوزية« لتطوي صفحة »الديجولية«، وعلى مفترق نضوج التحول تتوالى المفارقات.

المفارقة الأولى أنه في اليوم التالي مباشرة لنشر مقال الدكتور القديدي نشر الموقع الإليكتروني لبي بي سي تقريرا ينطوي على اعتراف رسمي فرنسي مهم، وحسب التقرير فإن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قال خلال زيارة لجنوب أفريقيا إن بلاده ستعيد النظر في الاتفاقات العسكرية التي تجمعها بمستعمراتها السابقة في أفريقيا، ومن بين التغييرات التي يقترحها أن تصبح كل الاتفاقات العسكرية بين بلاده والدول الإفريقية »شفافة« بحيث تعرض فحواها على العموم.

ويعلق مراسل بي بي سي قائلا: يذكر أن لفرنسا اتفاقيات تخول لها التدخل العسكري المباشر مع جمهوريات أفريقيا الوسطى والغابون والسنغال وساحل العاج. كما تملك عدة قواعد عسكرية يرابط بها آلاف الجنود في جيبوتي والسنغال والغابون.

ويقول المراسلون إن باريس طالما اتهمت بدعم دكتاتورات أفارقة، وغض الطرف عن الفساد الذي تمارسه أنظمتهم. الاعتراف الفرنسي يكشف عن الوجه الإمبريالي لفرنسا الذي لا نكاد نراه في الصحافة العربية .

وهذا الاعتراف وما تلاه من معلومات عن الدور الفرنسي في أفريقيا يجعلها أكثر إمبريالية من الولايات المتحدة الأميركية لكن التأثير الفرنكفوني الطاغي على النخبة الثقافية والإعلامية العربية يجعل صورة فرنسا ــ مقارنة بصورة أميركا ــ كما لو كانت تعبيرا عن قناعة راسخة بأن فرنسا، غفر لها التنوير ما تقدم من ذنبها وما تأخر.

فإذا كانت الولايات المتحدة مدانة دائمة بسلوكها »التدخلي« المنتهك لسيادة الدولة فإن فرنسا تفعل الشيء نفسه بشكل مقنن، وإذا كانت أميركا تحتل دولتين (أفغانستان ــ العراق) فإن فرنسا تملك حق التدخل العسكري في عدد أكبر من الدول.

وقد خرجت في منتصف التسعينات من رواندا بعد أن تورطت في الصراع الأهلي بين الهوتو والتوتسي، وقد راح ضحيته 800 ألف مدني، وهي صفحة من الصفحات الدامية في تاريخ العلاقات الأفريقية الفرنسية المفتقرة للشفافية، حيث بقيت الاتفاقات العسكرية بين فرنسا ونظام هابيريمانا في رواندا سرا لسنوات.

والمفارقة الثانية الجديرة بالتوقف أنه حتى عهد ساركوزي كانت صورة فرنسا توضع دائما كنقيض لصورة الولايات المتحدة الداعمة لإسرائيل دون قيد أو شرط، والآن اقترب الموقف الفرنسي من الموقف الأميركي بشكل دفع المتحمسين لـ »الصديق الفرنسي« أن ينتقلوا من الدفاع عنها إلى الاحتجاج عليها.

ففي تحول مهم توجه 25 من الأمناء العامين لاتحادات مهنية عربية ونقابية مصرية إلى السفارة الفرنسية في القاهرة قبل أيام لتسليم مذكرة احتجاج على اختيار إسرائيل ضيف شرف معرض باريس للكتاب، والاختيار يتجاوز المعنى الرمزي ــ الاستضافة احتفالا بالذكرى الستين لتأسيس إسرائيل ــ ليكون مؤشرا حقيقيا على نهاية حقبة في السياسة الخارجية الفرنسية وبخاصة فيما يتصل بالقضية الفلسطينية.

وحدث ولا حرج عن دعوة ساركوزي لتدريس الهولوكوست ضمن المناهج الدراسية الفرنسية بما يعنيه من تقارب ملفت مع الموقف الإنجلوسكسوني الذي طالما سوقه مثقفون عرب وقارنوا بينه وبين الموقف الأميركي من القضايا نفسها.

التحولات عميقة ومتلاحقة وفي القضايا التي طالما كانت من أكثر العوامل تأثيرا في صنع الصورة الإيجابية لفرنسا في الإعلام العربي، وفرنسا الجديدة ستخذل كثيرين: العلمانيين العرب الذين طالما رأوها نموذجا وقبلة للتنوير.

والمعادين لأميركا الذين دأبوا على الإشارة إليها كقطب دولي يقف موقف المناجز من السياسات الأميركية، والمتأوربين الذين كانوا يأملون أن تكون القاطرة الفرنسية ضمانا لأن يسير القطار الأوروبي في طريق بعيد عن القطب الأوحد ليكون حليفا محتملا في القضايا الدولية وبخاصة سيادة الدولة وحق التدخل وتدويل قضية حقوق الإنسان.

وما القرار الذي أصدره الاتحاد الأوروبي مؤخرا عن حقوق الإنسان في مصر إلا دعوة للإفاقة من هذا »الوهم اللذيذ«، فالصيغة الأميركية للعولمة تتقدم ببطء لكن بثبات في قلب القارة العجوز.

والسجال لا يجوز أن يتحول إلى صراع بالوكالة بين نفوذين: فرنسي وأميركي بل يجب أن يكون محاولة عربية جادة للتخلص من قيودهما معا وتأسيس رؤية أكثر رشدا للعلاقات الدولية تأخذ في حسبانها التغيرات التي تنضج في باريس.وربما يكون في هذا التحول فائدة كبيرة لنا!

نعم.... إن كثيرين يعتصرهم الحزن وهم يرون باريس بعد موسكو تنحني أمام العاصفة الأميركية، فمشهد تغير فرنسا يشبه إلى حد كبير انهيار الاتحاد السوفييتي ــ مع الإقرار بأن انهيار الإمبراطورية السوفييتية كان أكثر دراماتيكية ــ ولكن الصفحة التي انطوت صفحتها بانتهاء الحقبة الديجولية قد تكون فرصة ذهبية لنا.

أولا لنتخلص من »سياسة البحث عن عكاز« التي كانت خلالها السياسة الخارجية العربية تستند بالأساس إلى الاستفادة من مناخ الاستقطاب الثنائي بين موسكو وواشنطن، وفي مرحلة تالية توهم كثيرون أنها يمكن أن تستند إلى استقطاب مماثل بين واشنطن وباريس.

ومع ميلاد فرنسا الجديدة سيكون علينا ــ إن عاجلا أو آجلا ــ أن نسعى لبناء قدرتنا الذاتية بعيدا عن الأوهام والأماني، ومن أراد أن يرى التحول بعيدا عن النقاش في القضايا النظرية فلينظر لموقف فرنسا في ملفات: إيران كوسوفا ولبنان.