هكذا علّق مرشح الحزب الجمهوري جون ماكين حينما سمع خبر استقالة فيدل كاسترو من مهام رئاسة الدولة التي ظل يشغلها طوال نصف قرن إلا سنة، ليكون من أكثر زعماء العالم بقاءً بل لنقل تشبثاً بالسلطة، وتعليق جون ماكين هو تمني استعجال الموت لكاسترو بدلاً من التفاوض مع نظامه كما يقترح باراك أوباما.

حيث سيلتقي بكارل ماركس الذي تُوفيّ قبل أكثر من قرن وتحديداً في العام 1883!! وهذا التعليق يبين مدى تشدد الحزب الجمهوري تاريخياً مع نظام كاسترو منذ مقاطعة أميركا له في يناير من العام 1961. وتشبث فيدل كاسترو بالسلطة أمر غريب بالنسبة للفكر الذي يؤمن به وهو الماركسية اللينينية والذي يجعل الثقل الأكبر لدور الجماهير في صنع الأحداث التاريخية.

وهذا التشبث بالسلطة يبدو أمراً طبيعياً لعلم السياسة الذي يدرس الملك أو السلطان أو القوة حيث يعرف طلاب السنوات الأولى لهذا العلم أن الملك مصدر من المصادر النادرة التي تمنح صاحبها امتيازات لا مثيل لها وهي قدرة الأمر والنهي وفرض الطاعة على الآخرين قسراً.

وقد توصلت البشرية إلى النظام الديمقراطي الذي يجعل من تداول السلطة أخص خصائصه اتقاءً للسلطة الفردية المطلقة التي تقود ـ كما يقول مونتسكيو ـ حتماً إلى الاستبداد. بيد أن كاسترو لم يؤمن قط بهذه النظرية على اعتبار أنها نظرية «برجوازية» تهدف في نهاية المطاف إلى تخليد سيطرة الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج وإضفاء الشرعية على سلطتها.

أما بديله فكان الديمقراطية الاشتراكية التي تعني عنده ـ وليس عند مؤسسها كارل ماركس ـ أن يتم تمثيل مصالح الجماهير عبر الحزب الطليعي الذي يتخذ من القرارات ما تصب في صالح الجماهير، وبالطبع أحد تلك القرارات هو تنصيب كاسترو منذ الثالث عشر من فبراير العام 1959 زعيماً للبلاد وإعادة انتخابه منذئذ إلى أن فعلت قوانين الطبيعة ونواميس الحياة فعلها بحيث أصبح قبل سنة ونصف غير قادر على تسيير دفة الأمور.

ثم اكتشافه الأسبوع الفائت أنه ليس بإمكانه العودة إلى كرسي الحكم ثانية، وبالتالي تنازله عنه لأخيه راؤول المشارك معه في نزوله على البر الكوبي في الثامن من ديسمبر للعام 1956 وشنه لحرب عصابات من جبال سيرا ماستيرا وفوزه بالسلطة بهروب باتيستا حاكم البلاد بجلده في يناير من العام 1959 ولجوئه إلى جمهورية الدومنيكان المجاورة.

واحتلت كوبا في عهد كاسترو موقعاً في السياسة الدولية أكبر بكثير من حجمها الذي لا يتعدى الـ 115 ألفاً من الكيلومترات المربعة إلا قليلاً، بل أصبحت إحدى النقاط الساخنة في صراع القوتين العظميين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، لدرجة إنهما كادتا تدخلان في حرب نووية بسببها فيما عرف بأزمة الصواريخ في أكتوبر من العام 1962.

وهذه الجزيرة الصغيرة لم تكتف بالدفاع عن نفسها فيما عرف بهجوم خليج الخنازير الذي رتبته المخابرات الأميركية مع المنفيين الكوبيين في فلوريد في التاسع عشر من أبريل في العام 1961، والذي صدته القوات الكوبية بنجاح تحت قيادة مباشرة من كاسترو، بل إنها بعثت بجنودها بعد عقد ونيف من ذلك إلى أنغولا للدفاع عن نظامها في عملية «تضامن أممية».

وظل كاسترو بجزيرته الصغيرة شوكة في خاصرة أميركا التي هي على بعد مرمى حجر منه، ففي مقابل استخدام الولايات المتحدة للمنفيين الكوبيين الذين يتركزون أساساً في ولاية فلوريدا، فتح كاسترو الباب على مصراعيه لطالبي اللجوء من الكوبيين «لجنة أميركا» بالذهاب إليها.

فيما عرف بمشكلة « قوارب ماريال» حيث تدفق على البر الأميركي ما يقارب الـ 125 ألفاً من هؤلاء بقواربهم مما أجبر إدارة الرئيس جيمي كارتر على عقد صفقة معه تم فيها تنظيم الهجرة إلى أميركا ولم تعد «الأخيرة» تزايد على حرية تنقل الكوبيين ومغادرتهم للجزيرة!!

وكانت أكبر ضربة لنظام كاسترو، الذي أعلن في أبريل من العام 1961 تبنيه للاشتراكية هو سقوط حليفه الأكبر الاتحاد السوفييتي وانهيار كامل منظومته، حيث وجد نفسه وحيداً، لكن نظامه ظل يقاوم التغيير ولم يعان من التصدع الذي عانته الأنظمة الاشتراكية في أوربا الشرقية. ولا بد في هذا الإطار من التنويه أن كاسترو قد تمتع بقدر كبير من الشعبية بين جماهيره، ساعده في ذلك عداء الولايات المتحدة الشرس له.

وقدرت نظامه على توفير حياة كريمة بحدودها الدنيا لقطاع واسع من الشعب مقارنة بحياة شعوب جزر الكاريبي المجاورة التي يسودها الفقر. وقد تلمست ذلك شخصياً حينما زرت كوبا في العام 1980 بمعية زميلي الدكتور بدر الديحاني، أستاذ الإدارة العامة بجامعة الكويت. وتشتهر كوبا بكوادرها الطبية التي تقايض بهم هذه الأيام فنزويلا بالنفط الذي تستورده منها، فثمة عشرون ألفاً من تلك الكوادر الطبية تعمل في تلك الدولة.

وكان اقتصاد كوبا يعتمد اعتماداً أساسياً على الاتحاد السوفييتي في سد احتياجاته النفطية، ثم تحول بعد ذلك كما قلنا إلى فنزويلا بالذات بعد وصول شافيز إلى السلطة، حيث يباع النفط بأسعار تفضيلية لها فضلاً عن المقايضة بالخدمات الطبية التي تقدمها كوادرها الطبية.

أما اقتصادها حالياً فإنه يعتمد على منتجاتها التقليدية وعلى رأسها «السيجار الكوبي الفاخر» وزراعة قصب السكر والسياحة إلى حد قليل. وقد سمحت الحكومة لمواطنيها قبل سنوات التعامل بالدولار مباشرة، وقد كان ذلك محرماً قبل العام 1993.

لا أحد يظن أن النظام الكوبي سيستمر كما كان في زمن كاسترو، فرياح التغيير آتية لا ريب فيها، بالرغم من أن اليسار أخذ بالازدهار في أميركا اللاتينية التي تحمل جماهيرها عداء تاريخياً للولايات المتحدة الأميركية والتي تعاني نظمها الاجتماعية من تفاوت طبقي حاد.

ويظل السؤال: ترى، هل كانت الاشتراكية ( في كوبا أو في غيرها ) بحاجة إلى سيطرة رجل واحد على قرارات شعب بأكمله طيلة نصف قرن كي تنجح في بقائها كنظام اجتماعي اقتصادي بديل؟! لا أظن ذلك، فإن أي نظام لا يكتب له النجاح إلا إذا أصبح مستقراً في ضمائر أفراده ووجدانهم .

بحيث يصبح هؤلاء الأفراد هم المدافعين عنه بغض النظر عمن يكون في السلطة. ولذا، فمع ذهاب كاسترو ستذهب «نسخته الرديئة» من الاشتراكية ليحل محلها في الزمن البعيد نسخة أخرى متطورة تواكب روح مبادئها النبيلة الداعية إلى عدالة اجتماعية مطلقة.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com