روسيا بوتين باتت مبعث قلق متعاظم للغرب، وهو قلق مبرر، فهل يصبح أيضاً للعرب أن يقلقوا؟، لننظر أولاً في بواعث القلق الغربي. الانتصار الكاسح في الانتخابات الرئاسية الروسية الذي حققه ديمتري ميدفيديف هو في الحقيقة انتصار لنهج الرئيس فلاديمير بوتين لإعادة الاعتبار الكامل لروسيا كقوة دولية عظمى على نحو ما كان عليه الاتحاد السوفييتي.

وليس سراً أن الشخصين متفقان على معادلة وحدة سلطوية يتولى فيها ميدفيديف منصب رئيس الجمهورية بينما يتخذ بوتين منصب رئيس الوزراء، وذلك كترتيب مرحلي يقضي بأن يسترد بوتين منصب رئيس الدولة في وقت لاحق متفق عليه سلفاً، لذا لم يكن في غير المتوقع إعلان الرئيس الجديد فور اكتساحه الانتخابي أن سياساته ستكون امتداداً لنهج بوتين، فما هو نهج بوتين الذي يثير القلق في العواصم الغربية.. خاصة واشنطن؟

هناك مرتكزان لهذا النهج: سيطرة الدولة على الاقتصاد الوطني داخلياً، وانتهاج سياسة دولية استقلالية خارجياً، وما يزعج الغرب هو النجاح الشامل متسارع الإيقاع الذي حققته روسيا على هذين الصعيدين خلال سنوات حكم بوتين وحتى الآن.

فسيطرة الدولة على المواقع العليا لحركة الاقتصاد الروسي أدت إلى تقليص النفوذ الاقتصادي والسياسي للشركات الغربية الكبرى داخل الاتحاد الروسي. واستقلال السياسة الخارجية أدى إلى تحرير موسكو من التبعية للغرب مما أدى بالتالي إلى إعادة اعتبارها كلاعب استراتيجي في الساحة الدولية يحسب له ألف حساب.

وعن طريق فرض سيطرة جزئية أو إجراءات تأميم شامل أحكمت الدولة الروسية في عهد بوتين قبضتها على مؤسسات إنتاج النفط والغاز والقطاع المصرفي، وعززت هذه السيطرة بوضع يدها على الشبكات التلفزيونية وغيرها من المؤسسات الإعلامية، وكانت النتيجة هي انطلاق الاقتصاد الروسي بنسب تنموية متصاعدة بلغت 9 في المئة ـ وهو معدل أسطوري، وبذلك تضاعف متوسط دخل الفرد الروسي من 2000 دولار إلى 9000 دولار سنوياً.

أما على الصعيد الخارجي فقد أخذت روسيا تسترد نفوذها الإقليمي في آسيا الوسطى وشرق ووسط أوروبا. في هذا الإطار العريض تتطلع روسيا الجديدة الصاعدة إلى علاقة استراتيجية مع الدول العربية فهل يتجاوب العرب؟

في هذا السياق علينا أن نستدعي إلى الأذهان أمرين: أولاً: في عهد عنفوان الاتحاد السوفييتي كان العرب في مقدمة المستفيدين، فقد حقق العرب الانتصار في حرب أكتوبر 1973 بسلاح سوفييتي، وثانياً: عند انهيار الاتحاد السوفييتي كان العرب أول الخاسرين.

فقد كان صعود القوى المحلية الموالية للغرب في روسيا والمتحالفة مع الحركة اليهودية العالمية إيذاناً بفتح باب الهجرة الجماعية لليهود الروس إلى إسرائيل بعشرات الألوف على سبيل قلب المعادلة الديمغرافية لغير صالح الفلسطينيين.

الآن في عهد روسيا الاستقلالية الجديدة وتحررها من النفوذ الغربي والنفوذ اليهودي يتيح التاريخ فرصة جديدة لعلاقة عربية ـ روسية لو أدرك العرب كيفية استغلالها بما يفيد الجانبين على قاعدة تبادل المصالح.