مرة أخرى تكشر الدنمارك عن أنيابها الصليبية ذات اللثة الصهيونية، وتمارس إرهاباً فكرياً ومعنوياً للتعبير عن عدائها وكراهيتها السافرين للإسلام والمسلمين باعتدائها الرخيص على أعظم رمز من رموز الأمة الإسلامية؛ ويبدو أن الهجمة في نسختها السابقة (والتي لم تكن الأولى كما هو معروف) لم تكن موجعة للمسلمين بالقدر اللازم، والدليل على ذلك تناسيهم السريع للخطيئة الدنماركية.
فعادت مياه العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية سريعا إلى مجاريها وكأن شيئا لم يكن، أو لأن كل ما فعله المسلمون في مواجهة تلك الهجمة من احتجاجات سياسية خجولة ومتلعثمة، ومقاطعات اقتصادية للبضائع الدنماركية لم تتجاوز المستوى الشعبي الفردي، وتظاهرات هوجاء على طريقة المسلسلات التاريخية لم تكن جميعها موجعة للدنمارك بالقدر اللازم لكي تتوارى ولو قليلا لإخفاء هذه الكراهية المستبطنة داخل النفسية الغربية.
إحدى النتائج الواضحة لهذه البالونات الاختبارية التي تطلقها الدنمارك أو غيرها من الدول الأوروبية من حين لآخر لقياس ردود الأفعال عند المسلمين، هي تلك القابلية المثيرة للانتباه عند عامة المسلمين لأي استفزاز مهما كان تافها أو مألوفا أو متوقعا، وان ردود الأفعال تأتي آنية أو بطريقة «الفوّار» الذي يثور بقوة فجأة ثم ينخمد فجأة كما بدأ، أما أكثر تلك النتائج خطورة فهي الطابع المتشنج واللاعقلاني لردود الأفعال تلك بحيث تبدر منها التصرفات الصبيانية أو الغاضبة التي لا تدفع الأضرار والخسائر المرتقبة، وتستنزف الطاقات دون أن تؤدي لجلب أي نوع من المكاسب أو المنافع للمسلمين بسبب بعدها كل البعد عن المنهجية والموضوعية والرؤية الثاقبة.
في الواقع، يتصرف المسلمون أمام هذه الوقائع وأشباهها بطريقة مثيرة للشفقة، لأنهم يتصرفون وكأنهم لم يقرؤوا كتاب ربهم في يوم من الأيام، أو أنهم قرؤوه ولم يفهموا منه شيئا، أو أنهم فهموا ولكنهم لم يطبقوا منه شيئا؛ لأن واقعة كهذه يجب إحسان استثمارها لكونها تحمل في طياتها اعترافا مذهلا بإعجاز القرآن الكريم بما تضمنه من مصداقية، وبما ينطوي عليه ذلك من حتمية للتحدي الإلهي.
أما الإعجاز فلأن الواقعة إثبات مادي لقول الله: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم..) «الآية 120، سورة البقرة»، وها هو عدم الرضى الصهيوني والصليبي يأتي للمسلمين على طبق من ذهب ليستخدموه في إعادة ترتيب أوراقهم المبعثرة، وأما حتمية التحدي فلأن مثل هذه السفالات الصليبية والصهيونية لم تنقطع في أي فترة من فترات التاريخ ولو نفاقا، حتى في هذه الفترة التي يدعي الغرب فيها قيادة الحضارة ويلبس مسوح التسامح الديني والفكري، ما يلبث أن يعود إلى عقدته النفسية من حين لآخر، فينكشف ذلك الستار الخادع الذي لا ينطلي إلا على السُّذّج والسطحيين، عن آتون يغلي بكل الضغينة والعداوة والكراهية.
وسيبقى هكذا إلى أن ينسلخ المسلمون من إلههم وكتابهم ونبيهم وتاريخهم، ولهذا فإن هذه الهجمات التي تترّس بالثقافة والفن لن تكون الأخيرة أبدا، وعلى المسلمين أن يتوقعوا المزيد، وأن يستعدوا للمزيد ولما هو أبعد وأشرس وأكثر إيلاما من الثقافة والفن بين صفحات القرآن الكريم، هناك الكثير مما يرويه لنا من الإهانات والسباب الذي كان الكفار يواجهون به دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، (.. إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا) «الآية 47، سورة الإسراء»، (ويقولون أئِنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون) »الآية 36، سورة الصافات«، (ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون) «الآية 30، سورة الطور»، (ويقولون إنه لمجنون) «الآية 51، سورة القلم»، وغير ذلك كثير.
أما كتب الحديث والتاريخ فتمتلئ بروايات عن تجاوز الاعتداء المعنوي إلى الاعتداء الجسدي والمادي على هذا الإنسان الكريم، فما من يوم كان يمر عليه صلى الله عليه وسلم بمكة أو بالمدينة إلا وهو يجد الأذى في طريقه أو في نفسه أو في عِرضه من كفار قريش أو من يهود المدينة أو من المنافقين، ولكن ذلك كله لا يزيده إلا رقة وإنسانية ورحمة بالبشر ولو كانوا جلادين على متن سفينة الشيطان، فيزور من يمرض منهم ويتلطف مع من يجهل منهم، وعندما يسبّه يهود المدينة بقولهم: «السام (الموت) عليك يا محمد»، لا يزيد على أن يجيبهم: «وعليكم»، بل إنه صلى الله عليه وسلم يقتل نفسه أسفا على أولئك الذين لم يؤمنوا وانجرفوا وراء أمنيات الشيطان إلى الهاوية، فيواسيه ربه قائلا: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) «الآية 6، سورة الكهف».
ولكن كتب التاريخ والحديث تتوقف طويلا عندما يتعلق الأمر بانتهاك قيم الإسلام ومفاهيمه ومبادئه، فعندما جاءه أسامة بن زيد ليشفع في المرأة المخزومية التي سرقت، ويعفيها من إقامة الحدّ عليها باعتبار انتمائها إلى قبيلة عظيمة الشأن من قبائل العرب، غضب صلى الله عليه وسلم حتى صعد المنبر وقال قولته المأثورة: «إنما أهلك من كان قبلكم أنه إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد».
ولأن هذا هو محمد الحقيقي، وليس ما تصوره الرسومات الدنماركية من عقد وأمراض نفسية أو حماقات يتخلى فيها الغرب عن جوهر حضارته القائمة على الموضوعية والبحث العلمي واستكشاف الحقيقة، إذن فهذا هو من نأخذ منه مبادئنا نحن الذين سنأتي بعده بألف وأربعمئة سنة، وهو أجدر من يعلمنا كيف نسخّر طاقة الغضب تسخيرا إيجابيا، فنروّضها بمكارم الأخلاق والتعفف عن البذاءة والابتذال في مواقف الجهالة والسفاهة التي يبديها الحاقدون والموتورون، ونطلق عنانها بالصلابة والثبات على المبدأ عند الانتصار لقيم الحق ومبادئ العدل؛ من هنا تتبدى حقيقة الحب النبوي الذي نزعمه.
كما قال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله..) «الآية 31، سورة آل عمران»، أما الانتقام من المسيئين إليه فمهمة تكفل بها الله وحده (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) «الآية 57، سورة الأحزاب».
دعونا الآن نراجع دفاتر حساباتنا القديمة، ماذا صنع المسلمون بين الحماقة الدنماركية السابقة والتالية؟ ماذا غير الصراخ على المنابر وتبادل الرسائل النصيّة فيما بينهم والتظاهرات الصبيانية المسيئة للإسلام والمسلمين؟ هل استثمرنا الحدث استثمارا إنتاجيا بدلا من التفكير في مجرد إطفاء لهيب الغضب؟ كم كتابا أو مطبوعة أو دراسة علمية رصينة ألّفنا وترجمنا إلى لغات العالم، وكم موقعا إلكترونيا أو قناة فضائية تعاون المسلمون على إطلاقها عن رسالة محمد الذي ندعي محبته؟ وعن المبادئ التي جاهد من أجلها محمد؟ وعن الأخلاق والشمائل التي كان يتحلى بها محمد؟ وعن المنهج الذي كان يسير عليه؟
إنها مراجعة في منتهى القسوة، وفي منتهى خيبة الأمل، فبعد طرح الشتائم التي وجهناها للغرب والكثير من «الزعيق» الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وبعد طرح الرجاء الخجول والشديد الوداعة لحكومة الدنمارك بالاعتذار للمسلمين والذي قابلته تلك الحكومة بالبصق عليه، وبعد طرح المقاطعة الشعبية الهزيلة والقصيرة الأمد للبضائع الدنماركية والتي كانت تعوضها صفقات تجارية مع مؤسسات إسلامية عملاقة في وضح النهار، نكاد لا نجد شيئا له وزن يذكر حتى يستحق الإضافة، بل إنه لا يزال هناك الكثير لكي نواصل عملية الطرح، فيمكننا أن نطرح النسبة المئوية للمسلمين الذين لا يتخلّقون بأخلاق محمد ولا يتمسكون بسنّته؟
وأن نطرح كل مسلم يتنصل من منهج محمد وينتحل ثقافة الغرب وأخلاقياته ومبادئه ويتودد إليه بالعشيّ والإشراق؟ وأن نطرح كل من هجر القرآن أو لم يتعايش معه من المليار ونصف المليار مسلم؟ وأن نطرح كل واحد من هؤلاء يلقي بنفسه في أحضان أصحاب ذلك الكاريكاتير ولا يتوانى في نفس الوقت عن أن يشهر فوهة بندقيته في وجه أخيه ويسفك دمه بدم بارد؟ وأن نطرح منافذ الرذيلة وحوانيت الثقافة الغربية وأوكارها التي أنشأها المسلمون من الفضائيات أو المجلات الهابطة أو أماكن اقتراف المحرمات؟ وأن نطرح التشريعات التي أصدرتها الدول الإسلامية ولا تنبع من الشريعة المحمدية؟.
إنها عملية طرح لا متناهية كما يبدو، وبهذا الحساب الختامي المثير للغثيان، فإن الحصيلة النهائية تنذر بخسارة محتومة وبنتيجة مؤلمة، مفادها أننا نحب الرمز محمدا، لكنه مجرد شعور قلبي، أما الحب العملي الذين أُمِرنا به، وأما المبادئ والقيم المحمدية التي يعتبر التمسك بها تعبيرا صادقا للحب المحمدي، فإننا نكاد أن نعبر عن رأينا تجاهها بطريقة غير مباشرة بما يشبه تعبير الرسامين الذين رسموا الكاريكاتيرات الدنماركية.
كاتب إماراتي