عندما اختير ابن بينازير بوتو بعد اغتيالها رئيساً لحزب الشعب استغرب العرب أكثر من الباكستانيين، ومبعث استغرابهم تساؤلان: هل الزعامة السياسية ميراث يرثه أب عن جد؟، وأنى لفتى (16 عاماً) أن يتزعم أكبر حزب سياسي؟

الباكستانيون لم يستغربوا ذلك، بل حبذه الغالبية، وهم على يقين أن في الحزب من هو أقدر على تسيير أموره. العبرة بين اختيار (التوريث) أو عدمه هي النتيجة والمصلحة العامة، والعالم العربي كان معظمه في بدايات القرن العشرين ملكيات وإمارات، حتى دبت فيها ـ بعد إخراج المستعمرين من أجزائها ـ رياح الانقلابات العسكرية التي كانت في كثير من الأحيان امتداداً لأيادي المستعمر لإثارة القلاقل والتخبط، واندفعت الجمهوريات الجديدة بواقع انعدام الخبرة وتنازع الأطماع إلى توظيف شعارات رنانة لإثارة الغليان هنا وهناك طمساً لأخطائها وأوجه قصورها.

كان من تلك الشعارات المستهدفة (توريث الحكم) واعتباره لونا من ألوان (الرجعية) و(الاستبداد). دفعت تلك الشعوب ضريبة التغيير وما لبثت أن تحسرت على التفريط في أنظمتها الملكية، ففارق الحكم كبير. لكن الرئاسيات الجديدة (طورت) منهجيتها لتستعيد الماضي الذي لفظته وهو (التوريث). فقررت (الاستئثار) بالحكم واختيار ابن الرئيس خلفاً له. رسم هذا في العراق ونفذ في سوريا ويخطط له في دول عربية أخرى.

غير أن توريث الحكم في الملكيات أطماعاً. بل فلسفة واستراتيجية في إدارة الدول وتسييس الشعوب، فهو أولا نوع من الاستقرار عبر الاستمرارية. والاستقرار أساس بناء الدول وأمن الشعوب وصيانة مكتسباتها، وعكسه نرى وقائعه في كل الدول التي غيرت فغير الله عليها.

وانتقادات الآخرين لنا على (التوريث) محض تضييق وافتئات، فالغرب من أبرز (المورثين) للحكم، ولا أقصد توريث الملكيات الدستورية كما في بريطانيا وهولندا وغيرها، فهي ملكيات لا تناسب حكمنا. والفرق كبير بين (الملك) و(الحكم) فالأوروبيون (ملك) لا (حكم) معه. وما يلائم منطقتنا هو جمعهما.

أما (توريث) الحكم في الغرب الذي قصدته، فهو في أميركا فعلى مدى ربع قرن يبدو أن الحكم الرئاسي انحصر في عائلتين فقط هما عائلتا (بوش وكلينتون)، بدأت العملية من بوش الأب (ولاية واحدة) ثم بيل كلينتون (ولايتان) ثم بوش الابن (ولايتان). فان فازت هيلاري كلينتون فستكمل ربع قرن من حكم أميركي متداول بين أسرتين. ولن نستغرب إذا رشح بعد خمس سنوات الابن الثاني لبوش الأب لتستكمل الدائرة. فهل نضب معين قيادة الدولة الأعظم إلا من هاتين الأسرتين؟ والأعجب أنهما من حزبين متنافسين عملا بمنهج واحد هو (توريث الحكم).

فالتوريث إذن ليس نقصاً، بل إضافة يكتسب منها الخلف صدى وعطاء وخبرة السلف، وإن صح ذلك في الجمهوريات. فهو في الملكيات المتوارثة من مئات السنين أكثر عائداً ونفعاً على الشعب، كيف؟ ببساطة لأن كل ابن لأي أسرة حكم تربيه منذ ولادته وهي تؤمل أن يصبح يوماً ما حاكماً. فتعلمه ما يناسب وتربيه على ذاك الهدف.

كان الخلفاء في العصور الأولى يوجدون لأبنائهم مربين منذ الصغر لهذا الغرض. وفي أسر الحكم اليوم من يفعل ذلك دون إعلان. وهذا من حق الشعب على الحاكم ـ طالما سيأخذ عهدهم على خليفته ـ أن يربيه لهم على أكمل وجه يليق بتلك المسؤولية.

وعلى عكس ذلك الجمهوريات. إذ يمكن أن يصل لحكمها أي شخص سواء بانقلاب أو انتخاب. مما يعني أن هذا الشخص عندما ولد رباه أبواه ونشآه لاحتمال أن يكون طبيباً أو مهندساً أو صياداً أو أي مهنة إلا أن يكون حاكماً للشعب ورأساً للدولة، فهذا لا يدور بحسبانهم أبداً ويستحيل أن ينشؤه لتلك المهمة.

فأيهما أصلح للشعب؟ من نشأته أسرته ليكون حاكماً امتداداً لرصيد آبائه وأجداده وإرثاً لأبنائه وأحفاده في خدمة الوطن، أم من وجد نفسه فجأة في كرسي لم يعتد الاقتراب منه ويوقن أن بقاءه فيه بضع سنوات ثم يغادر طوعاً أو كرها؟ تأتي بعد ذاك مسألة سن الحاكم، وهل لها دور في قوة أو ضعف أدائه. والأرجح أن الصلاح يعود في النهاية للشخص. فكم فتيانا حفروا بعبقريتهم ما عجز عنه شيوخ طمس التاريخ حكمهم.

من نماذج الفتيان الأفذاذ هارون الرشيد، تولى الخلافة وسنه 22 عاماً ومات عن 42 عاماً. بمعايير اليوم يعتبر مراهقاً. لكنه أعظم من بأس الرجال وحكمة الكهول. كان يحج عاماً ويجاهد عاماً. وحكم أكبر دولة إسلامية في التاريخ حتى كان يقيس مساحاتها بالسماء بدل الأرض فيخاطب الغمام (أمطري حيث شئت فخراجك سيأتيني).

والسفاح مؤسس الدولة العباسية انتزع الخلافة عن 24 عاما ومات فيها وسنه 28. والخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز تولاها وعمره 36 سنة ومات وعمره 39 سنة. نماذج كثيرة تؤكد أن السن لا علاقة له بكفاءة الحكم. فالمهم أن يكون الحاكم امتداداً لاستقرار بلده وشعبه، وأن يتخذ في حكمه أعواناً عظاماً لا منتفعين أقزاماً.

تلك وصفة من حكم العظماء سواءً كانوا شيباً.. أو فتياناً.

كاتب صحافي سعودي