هل تحول العالم الإنساني إلى عالم حيواني لا عدالة فيه ولا حقوق، ولا قيم فيه ولا قانون، والقانون فيه هو القوة، والقوة فيه هي الحق؟! أكاد أجازف بالإجابة بنعم. لأن البشرية في ظل نظام دولي مختل الآن تتقدم إلى الخلف تراجعا إلى العصور البدائية، في ظل وحيد القرن الذي يعتمد سياسة القوة العسكرية للهيمنة السياسية أو للنهب الاقتصادي، الذي يمثل وريث القوى الاستعمارية القديمة، ورأس الرأسمالية المتوحشة الجديدة المغلفة بأغلفة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان الانتقائية البراقة والمتناقضة غير الشفافة.

البشرية الآن تتراجع إلى بدائية قانون الغاب حيث لا قيم تحكم الجميع بمساواة، ولا قانون يحاكم الجميع بلا ازدواجية أو انتقائية، بفعل الغرض والمرض، وحيث البقاء للأقوى ولو بفناء غيره، مثلما جرت إبادة الهنود الحمر كي تبقى وتهيمن أميركا، ومثلما يجري الآن تحت سمع العالم وبصره بمحاولة إبادة الشعب الفلسطيني بـ «المحرقة» كي تبقى وتتمدد إسرائيل.

البشرية الآن على طريق الهاوية للسقوط في هذا المستنقع الدموي الوحشي الشرس في ظل عجز وتقاعس وتخاذل وتردد القوى الإنسانية الحقيقية، والتي تمثل قوى الخير والحق والعدل والسلام في العالم في التصدي للعدوان والاستغلال الاستعماري، إما خوفا وإما بسوء القراءة، إذ لا يتمدد الأشرار إلا في غياب الأخيار.

العالم لا يمكن أن يكون إنسانيا إلا بقدر ما يقوم على كل حقوق الإنسان الطبيعية والأساسية من حق الحياة وحق الحرية والأمن والعدالة، وحق الكرامة الإنسانية، والذي يجب أن تقوده قيم الشرائع السماوية العظمى وتحكمه قوة القانون الدولي والمواثيق الإنسانية، وإلا تحول إلى غابة حيوانية وحشية، يأكل فيها القوي الضعيف، وتنهش فيها الذئاب لحوم الأغنام ولا يحكمها إلا قانون القوة (قانون الغاب).

وإذا كنا في مجتمع إنساني حقا فالقوة في خدمة الحق والقانون، وليست هي الحق أو القانون، والحكومة في خدمة الشعب وليست هي الوطن، ولا مكان للوحوش والذئاب الحقيقية إلا في الغابات أو في حدائق الحيوانات، ولا مكان للوحوش والذئاب البشرية إلا أمام المحاكم وفى السجون لتلقي العقاب، لكن إذا كنا في الغابة، حيث تصبح القوة هي القانون والقانون هو القوة، فالحكمة تقول «تذأب حتى لا تأكلك الذئاب» وامتلك القوة لاستخلاص حقوقك بالقوة وليس بالقانون العادل.

عالم اليوم الذي تقدم الإنسان فيه في كل شيء مادي وعلمي وتكنولوجي، تراجع الإنسان فيه في كل شيء معنوي وروحي وقيمي، فأصبح في المجتمعات الصناعية الكبيرة مجرد ترس يدور في آلة والآلة ترس في آلة كبيرة بينما الآلة الأكبر في يد الشياطين الصغيرة من لوبيات السلاح ولوبيات الطاقة في الدول الصناعية الرأسمالية الكبرى والتي تشكل بعض الشركات قوى للضغوط الاقتصادية على الحكومات وبالتالي على السياسات الدولية.

بينما في المجتمعات النامية الصغيرة الواقعة تحت ضغوط وهيمنة وغارات الكبار العدوانية السياسية والاقتصادية والعسكرية، فيراد للإنسان فيها أن يتحول إلى مجرد كائن بيولوجي أو كالخرفان المستسلمة بلا إرادة، والضعيفة وبلا قوة لتنهشه الذئاب بدون حق أو منطق، بلا قدرة على الرد وبلا إرادة للمقاومة.

هذه المشاهد الصهيوأميركية اليومية في الملفات الوطنية وضد القضايا القومية، تعد تجاهلا بالقوة للمواثيق والقوانين الدولية وللحقوق الإنسانية العربية والإسلامية، وبالتالي فإن التواطآت الغربية، والتبعيات غير الغربية لهذه المشروعات والسياسات الشيطانية تجعلنا نتأكد أننا لا نعيش الآن عصر حقوق الإنسان ولا عصر الحرية ولا الديمقراطية التي يصدع بها رؤوس العالم الإجراميون الجدد، بل عصر «الهولوكوست الصهيون» وعصر الاستعمار الجديد الأميركي، الذي يستأثر بالقوة وليس بالحق وبالتسلط وليس بالسلطة فيتحكم ولا يحكم، وهو الذي يفرض قانونه فيحاكم ولا يحاكم!