متى تنتهي الحلقة المفرغة؟ وكيف؟.

انسحبت القوات الإسرائيلية من قطاع غزة بعد أن أنجزت مذبحة توالت حلقاتها الدموية.. على مدى أربعة أيام بلياليها. لكنه ليس انسحاباً نهائياً. فقد أعلنت قيادة الجيش الإسرائيلي أن ما جرى ليس سوى المرحلة الأولى من عملية «الشتاء الساخن»، والمشهد الدموي مع تداعياته الداخلية والخارجية صار نمطاً روتينياً.

فعلى نحو فجائي تبدأ الهجمة الإسرائيلية جوا وبرا وتستهدف أكثر ما تستهدف أحياء سكنية، وتضطر الحكومات العربية إلى وضع حد لحالة السكوت، ومن ثم تصدر بيانات من العواصم، يبدأ كل بيان بعبارات مدبجة من الشجب والإدانة لينتهي إلى إحالة مسؤولية الرد على إسرائيل إلى المجتمع الدولي، ويجتمع المجتمع الدولي على هيئة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للنظر في مشروع قرار عربي لإدانة إسرائيل.

يثور جدل في كواليس المجلس الدولي ينتهي إلى إحدى نتيجتين: إما أن تقبل المجموعة العربية إدخال تعديلات أميركية على صيغة مشروع القرار بإدانة الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني معاً، أو تصر المجموعة على تقديم المشروع كما هو عليه إلى التصويت، وفي هذه الحالة تنسف أميركا المشروع العربي باستخدام الفيتو، وبعد بضعة أسابيع تنطلق هجمة إسرائيلية لتنفيذ مذبحة جديدة.. وهكذا يتكرر السيناريو.

السؤال الذي يطرح بالطبع هو: هل ينتهي السيناريو؟ ومتى؟. قادة الأنظمة الحاكمة العربية يقولون: إنهم ليسوا مطالبين من قيادة السلطة الفلسطينية بأكثر من إصدار بيانات تمهيداً لنقل الأمر إلى المجتمع الدولي «ليباشر مسؤوليته في وقف المذبحة الإسرائيلية الوحشية» و «حماية الشعب الفلسطيني»، وبالطبع هذه حجة منطقية..

لكن منطقها ضعيف، فليس واردا على الإطلاق في أجندة الأنظمة العربية أن تسمح لنفسها في يوم ما الدخول في صدام أو اشتباك مع الدولة الإسرائيلية، وبالتالي مع الولايات المتحدة ـ حتى لو كان صداماً أو اشتباكاً ذا طبيعة دبلوماسية ليس إلا، لذا فإن موقف القيادة الفلسطينية الرسمية يقع على صدور الأنظمة العربية برداً وسلاماً، فحتى السلطة الفلسطينية نفسها تحرص على تذييل بياناتها «النارية» بإحالة الأمر إلى المجتمع الدولي نافية بذلك عن نفسها مسؤولية رد فلسطيني حازم على المذابح الإسرائيلية.

هكذا تبدو المحنة كحلقة مفرغة، القوى الدولية تبرر استخفافها بتقاعس الدول العربية، والدول العربية بدورها تتذرع بسلبية السلطة الفلسطينية، ولن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.