في الوقت الذي سعت فيه حكومة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم - حفظه الله ورعاه - إلى الحد من موجة الارتفاع في الاسعار التي امتدت إلى السلع الأساسية في الفترة الأخيرة، وذلك بتنفيذ توجيهات جلالته السامية برفع مرتبات العاملين في الجهاز الإداري للدولة وفي المؤسسات والهيئات الأخرى المدنية والعسكرية مرتين متتاليتين خلال فترة قصيرة، الأولى بنسبة 15٪ والثانية بنسبة تراوحت بين 5٪ لشاغلي الدرجات من الدرجة السابعة ومافوقها وازدادت النسبة لشاغلي الدرجة الثامنة وبشكل تصاعدي لتصل إلى 43 ٪ لشاغلي الدرجات الأقل، فإنه من الطبيعي ان يتم التعويل إلى حد كبير على التوصيات التي توصلت إليها اللجنة الوزارية التي تم تشكيلها للتخفيف من حدة الأسعار واقتراح السبل الناجعة في هذا المجال من أجل التخفيف عن كاهل المواطنين والمقيمين والحد كذلك من الآثار المترتبة على الارتفاع الملموس في الأسعار.
ومع الوضع في الاعتبار انه كان من الضروري ان تأخذ اللجنة الوزارية وقتها في دراسة ظاهرة ارتفاع الأسعار ومسبباتها والعوامل المؤثرة فيها وأفضل سبل التعامل معها، للتوصل إلى توصيات عملية ومؤثرة على نحو يمكن أن يشعر به المواطن العادي والمستهلك على امتداد هذه الأرض الطيبة، فإنه من المقرر ان يعقد معالي مقبول بن علي سلطان وزير التجارة والصناعة مؤتمرا صحفيا اليوم في نزوى، للإعلان عن الآليات والخطوات التي ستتخذها الحكومة لتنفيذ توصيات اللجنة الوزارية للتخفيف من حدة ارتفاع الأسعار التي شهدتها الاسواق المحلية.
ومع التأكيد على أهمية وضرورة تفعيل سبل حماية المستهلك وعلى نطاق واسع وملموس من ناحية، ومنع الاحتكار من ناحية ثانية، فإنه من المهم والضروري أيضا الاشارة إلى حقيقتين أساسيتين:
أولهما: ان الإجراءات والآليات والخطوات التي سيتم اتخاذها من جانب حكومة حضرة صاحب الجلالة ليست عصا سحرية، بمعنى انها لن تؤدي إلى الخفض الفوري للأسعار مثلا، أو العودة بالأسعار إلى ما كانت عليه في منتصف العام الماضي أو قبلها، لأن ذلك غير ممكن عمليا وبالمعايير الاقتصادية. والأمر يعود إلى سبب بسيط هو ان الحد من ارتفاع الأسعار ليس اجراء حكوميا فقط، كما انه بالتأكيد ليس مسؤولية الحكومة وحدها.
نعم يمكن للحكومة ان تتخذ اجراءات وتضع قوانين وتحدد ضوابط في هذا المجال أو ذاك أو بالنسبة لسلعة أو أخرى أو لمجموعة سلع، ولكن التنفيذ والالتزام والتجاوب يقع في جانب غير قليل منه على عاتق المجتمع، والمجتمع يعني المواطن الفرد والأسرة والمؤسسات والهيئات المختلفة فيه.
اما الحقيقة الثانية فإنها تتمثل في ان الاقتصاد العماني هو اقتصاد حر ومفتوح، بمعنى انه يعتمد إلى حد كبير على آليات السوق وتفاعل العرض والطلب فيما يتصل بالأسعار، ومن ثم فإن الدور الحكومي يظل في النهاية دورا منظما ومحدود التدخل، أو غير واسع بالضرورة ويكاد يقتصر على التنظيم والرقابة واستخدام الأدوات والآليات المتاحة لحماية المواطن والشرائح محدودة الدخل بشكل اساسي. يضاف إلى ذلك ان الاندماج المتزايد للاقتصاد العماني في الاقتصاد العالمي يجعله عرضة للتأثر بما يمر به الاقتصاد العالمي من تطورات، بما في ذلك التضخم المستورد الناتج عن ارتفاع أسعار السلع المستوردة من الخارج.
أمام هاتين الحقيقتين، وغيرهما، فإنه إذا كانت الحكومة تتخذ اجراءات وآليات وتضع ضوابط للتخفيف من حدة ارتفاع الأسعار، فإن دورا شديد الأهمية يقع على عاتق المواطن والاسرة العمانية، وعلى كاهل جمعيات المجتمع المدني وكل مؤسساته القادرة على الإسهام بدور سواء في مجال التوعية للحد من الاستهلاك، أو في مجال التوجيه نحو بدائل وخيارات استهلاكية قادرة على الدفع بأسعار بعض السلع إلى الانخفاض بشكل أو بآخر.
وعلي ذلك فإن تجاوب وتفهم المواطن ومبادرته ستسهم بالضرورة في مواجهة ارتفاع الأسعار والحد منها وذلك بقدر ما يمكن تحقيقه من تعاون بين الحكومة والمواطنين والقطاع الخاص.
