قلنا في مقال أمس إن غالبية الأخطاء والتجاوزات في المواقع الإنشائية، سكنية كانت أو تجارية، وما ينتج عنها من خسائر مادية فادحة، قلنا إن المسؤولية فيها تقع بالدرجة الأولى على الاستشاري الذي يفترض أنه يشرف على المقاول ويتابع أعماله ويعتمد كافة الخطوات التي يقوم بها على اعتبار انه مستشار المالك، لكن واقع الحال يسقط المسؤولية برمتها على المقاول الذي يبقى حجم مسؤوليته أقل طالما وجد استشاري ومفتش من البلدية يتابعانه.
إيمان غالبية أفراد المجتمع بأن مسؤولية الاستشاري هي الأكبر، وأن تساهله أخطر من تساهل المقاول لم يضع حداً للاستشاريين المستمرين في تجاوزاتهم وأخطائهم، التاركين المالك غارقاً في مشاكل لا حصر لها مع مقاولين ولجان منازعات ومحاكم تسعى لأن تسترجع حقوقه.
البلديات تشكو من عجز المهندسين عن متابعة المشاريع كلها بسبب وتيرة البناء السريعة في الدولة وقلة عددهم على متابعة هذا الكم الهائل من المشاريع، لكن هذا النوع من المبررات لا يمكن الأخذ به طالما أن الجهات الحكومية هي التي ترخص للاستشاريين والمقاولين.
وهي التي تسمح بهذا الامتداد العمراني، والذي يتطلب في المقابل زيادة عدد الموظفين في البلديات، وتحديث الأنظمة التي تضع حداً للتجاوزات في الإنشاءات لتحفظ الأموال وتضمن الجودة والسلامة للجميع، بدل ترك الحبل على الغارب لاستشاريين تعتمد عليهم البلديات كمعاونين لها للقيام بدورها ضد المقاولين.
في حين أنهم ليسوا أهلاً للثقة بهم لسنا ضد الاستشاريين بشكل مطلق لكن الواقع يثبت أن عدداً كبيراً منهم لا يستحق الأتعاب التي يتقاضاها من المالك، خاصة أولئك الذين ثبت تسببهم في أخطاء كبيرة لا يكترثون لحجم المخاطر التي تليها، وكأنهم في عملية متابعتهم كمن يشرف على مبانٍ من ورق لا من أسمنت كفيلة بان تهشم رؤوس من يقيمون أو يعملون فيها.
كما اننا لا نهاجم البلديات ولا نعتبرها متغاضية عن أخطاء الاستشاريين كلهم لكننا لم نسمع حتى اليوم عن قرار بلدية في تسجيل نقاط سوداء على المخالفين من الاستشاريين كالتي تطبق على المخالفين لقوانين المرور، مع أنه لا يوجد فارق بينهم لا في الخسائر المادية ولا البشرية.
ولم نسمع عن عقوبات تعرض الاستشاري المخالف لخسائر فادحة تجعله ينأى عن الخطأ والتجاوز، لذا فلماذا نتوقع أداء أفضل للمقاولين إذا كان هذا حال المشرفين عليهم من المهندسين؟ ولماذا نتوقع إخلاصاً من استشاريين لا يحاسبون ولا يخالفون بشكل يقصم ظهورهم كما يفعلون بملاك العقارات الذين يروح عدد كبير منهم ضحايا غشهم وطمعهم؟
إذا كانت الفلل السكنية والمباني التجارية الصغيرة والمتوسطة في وسط المدن تخضع لمقاييس ومواصفات البلديات المحلية، ومع ذلك يتجاوز الاستشاريون والمقاولون وتقع الأخطاء الفادحة فيها، فما الذي نتوقعه إذن بالنسبة لمشاريع تقام في مناطق حرة لا تخضع لرقابة البلديات المحلية؟ وما هو حجم الأخطاء والتجاوزات التي من الممكن أن تقع في تلك المشاريع فيتكبد أصحابها خسائر لا يعوضها المقاولون؟
الدولة تشهد طفرة عقارية ضخمة بكل المقاييس، وهذه الطفرة بحاجة لقوانين تستحدث وأخرى يتم تحديثها لتضمن الدولة سير هذه الطفرة باتجاه موازٍ للتنمية وليس ضدها. فالبنايات التي تشيد والمشاريع التي تقام لابد وان تكون وفق أعلى وأفضل المقاييس دون أن يترك فيها مجال لتلاعب استشاريين ومقاولين وإلا تحولت إلى مبانٍ لا تختلف عن مبانٍ تتساقط على رؤوس سكانها كما هو الحال في دول أخرى.
ومن لا يعجبه العمل وفق هذه المعايير فليرحل من البلد التي لا يحتمل هذا التلاعب كله. أسعار البناء متجهة نحو الارتفاع الذي أصبح هماً جديداً يضاف إلى هم غلاء المعيشة، وهذا الغلاء يفترض على الأقل أن يأمن المالك على أبنيته من أخطاء وتجاوزات استشاريين ومقاولين.
