ما الذي يدعو جماعة من اليمين المسيحي الأميركي المتطرف إلى تقديم دعم منظم لقيادات منظمات دارفور المسلحة وتبني أجندتهم على مستوى عالمي؟

السؤال ظل مطروحاً على مدى السنوات الأخيرة مع استمرار وتصاعد حملة سياسية وإعلامية غربية بشأن إقليم دارفور السوداني على نحو لم تحظ به قضية الشعب الفلسطيني.

كانت هناك إجابة غير مباشرة عن هذا التساؤل. فالجماعة «المسيحية» الأميركية المشار إليها هي تنظيم «الانجيليين الصهاينة» التي ترعاها الحركة اليهودية في الولايات المتحدة. ومن ثم فان الأزمة الدارفورية أصبحت أحد بنود الأجندة اليهودية العالمية، والآن تتخذ هذه الإجابة شكلاً مباشراً ومؤكداً بعد أن أعلن قائد أحد الفصائل الدارفورية عند مطلع الأسبوع ان فصيله افتتح مكتباً له في إسرائيل.

قادة تنظيم «الانجيليين الصهاينة» ـ وهذا هو الاسم الرسمي المعلن للتنظيم ـ يربطهم تحالف وثيق مع إدارة الرئيس بوش. وهذا ما كان يفسر ذلك الاندفاع غير العادي لأركان الإدارة وأعضاء اللوبي الإسرائيلي صوب دارفور منذ الوهلة الأولى.

الأزمة الدافورية تفجرت بهجوم عسكري كاسح على مواقع حكومية في الإقليم ابتدرته كوادر المنظمات المسلحة. وعوضاً عن إدانة هذا العدوان هرعت شخصيات أميركية نافذة إلى الإقليم على نحو دراماتيكي كتمهيد لإطلاق الحملة السياسية والإعلامية العالمية المشار إليها من أجل خلق انطباع على المستوى العالمي بأن الحكومة السودانية هي الطرف المعتدي وان الفصائل المسلحة هي بالتالي الطرف المعتدى عليه.

جاء كولن باول، ومن بعده جاءت كوندوليزا رايس ثم توالت زيارات من أعضاء في الكونجرس وحداناً وزرافات، وخلال وقت قياسي اندفعت إلى دارفور فرق من المؤسسات الإعلامية الأميركية والأوروبية يتعاون معها نشطاء من جمعيات «الإغاثة» الغربية بلغ عددهم في غضون بضع سنوات 11 ألفاً، وعلى مدى سنين وحتى اليوم تتكرر الاسطوانة دون تغيير تحت عنوان «إبادة» مع أرقام ثابتة: 200 ألف قتيل و5 ,2 مليون نازح ولاجئ، ورويداً توسعت الحملة بلجوء الولايات المتحدة وبريطانيا إلى مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار يقضي بتقديم مسؤول سوداني ومعه زعيم قبلي من دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وبطبيعة الحال حرصت واشنطن ولندن ألا يشمل الاتهام قيادات حركات التمرد المسلح التي ابتدرت الحرب ضد الحكومة.

على هذه الخلفية افتتحت «حركة تحرير السودان» بقيادة عبدالواحد نور مكتبها في الدولة اليهودية، ومن قبيل المصادفة ان إعلان هذا النبأ يأتي بينما تشن إسرائيل ما يشبه حرب إبادة حقيقية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة لا توفر حتى الأطفال الرضع، لكنها مصادفة ذات دلالة، فالحركة الدارفورية اختارت لنفسها الاصطفاف مع العدو الاستراتيجي الأول للأمة الإسلامية عامة والشعب الفلسطيني المسلم خاصة.

هكذا تثبت قيادات المنظمات الدارفورية أنه ليس لها قضية فيما يتصل بأهل دارفور، وهناك أجندة غربية ـ إسرائيلية بعيدة المدى بشأن إقليم دارفور ومصيره ومآله، ودور القيادات الدارفورية التي تتنقل بين الفنادق خمسة نجوم من عاصمة غربية إلى أخرى هو ان تكون في الواجهة.