قبل أسابيع وصلت متأخراً إلى مطار دبي ويدي على قلبي خشية أن تفوتني الطائرة المغادرة إلى الدوحة. في المطار، كنت أركض من صالة إلى أخرى ومن سلم كهربائي إلى آخر. كنت منزعجاً جداً من أولئك الذين يمشون ببطء أمامي وكأنهم يريدون إعاقة ركضي السريع أملاً في اللحاق بالطائرة قبل أن تطير.
كنت أكتم غضبي تجاه هؤلاء الذين يمشون الهوينة ويعيقون سرعة المستعجلين مثلي، خوفاً أن تطير الطائرة من دونهم. بيني وبين نفسي، كنت أردد: «يا إلهي! أهؤلاء في مطار أم في مركز تجاري؟» نسيت أن مطار دبي ـ فعلاً ـ من أجمل مطارات العالم وأن قضاء ساعة أو ساعتين قبل المغادرة للتجوال أو التسوق هي من أسباب تميز هذا المطار وأناقته. تمكنت أخيراً من كبت غضبي لكنني لم أتنفس الصعداء حتى جلست على مقعدي في الطائرة.
في الطائرة، أخذت على نفسي عهداً ألا أكررها وأن آتي ـ في الرحلة القادمة ـ إلى المطار مبكراً حتى أصعد الطائرة وأنا مرتاح البال وفي عز المزاج!
في الرحلة التالية، تعلمت الدرس فوصلت مبكراً إلى المطار. كنت مبتسماً طوال الوقت وفي «مزاج» متألق حتى كدت أوزع ابتساماتي على كل من في المطار.
غير أن ما نكد عليّ كان أولئك المسافرون المستعجلون الذين يركضون في المطار سريعاً باتجاه بوابات السفر وكأن الدنيا ستطير من بين أيديهم إن طارت الطائرات بدونهم، تمكنت من كتم غيظي لكنني كنت أردد بيني وبن نفسي: «يا إلهي.. لماذا الناس مستعجلة وتركض كما لو كانت تمارس رياضة الجري حول حديقة الصفا؟».
حينما أقلعت بي الطائرة، هذه المرة إلى البحرين، بدأت أستعيد تجربتي في الرحلة السابقة وتذكرت كيف كنت أركض في المطار سريعاً منزعجاً من أولئك الذين يعيقون حركة المسافرين المستعجلين مثلي.
أدركت أنني في كلا التجربتين أنظر للناس والأشياء من حولي وفق حالتي ـ «مزاجي» ـ وقتها. فسرعة الناس حولي وجريهم بين الصالات مسألة مزعجة مثلما كان بطء الناس ومشيهم الهوينة في أروقة المطار، في الرحلة السابقة، مسألة مزعجة ومعيقة للحركة ومنكدة للمزاج، أهو المزاج يا صديقي الذي يتحكم في أحكامنا ورؤانا ومواقفنا؟
نحن محكومون أحياناً بمزاج اللحظة. كم من موقف اتخذ لحظة انفعال أو في حالة «مزاج» مرتبك؟
حينما يغضب مسؤول عربي ـ أي مسؤول ـ لأن الناس في محيطه غاضبون من قصور الخدمات أو من ظلم يقع هنا وهناك فلأنه يعيش في «مزاج» آخر غير مزاج الناس ومزاج الشارع. إذا رأيت إنساناً غاضباً في الشارع.. هل تؤجل القفز إلى حكم مستعجل دون معرفة ظروف غضبه؟
وإذا رأيت إنساناً يحدث نفسه علناً وهو يمشي على الرصيف أو في دائرة حكومية..هل يمكن التريث قليلاً قبل وصمه بالجنون أو الخرف؟
نحن نحكم على الناس والمواقف من حولنا وفقاً لتجاربنا وخبراتنا وأحياناً أمزجتنا. وحتى وضوح الأنظمة والقوانين قد لا يكفي لرؤية ناضجة وعاقلة أو لحكم سديد وعادل. فالمزاج أيضاً قد يؤثر في فهمنا وتطبيقنا لتلك الأنظمة ومعانيها. ولكن هل نترك الأمور رهناً للمزاج والحالة النفسية؟
في قراراتنا التنموية، لابد أن نفهم المزاج العام للناس في محيطنا لكننا أيضاً معنيون بمحاولة فهم المزاج العام في العالم من حولنا. فإذا ما غلب مزاجنا الخاص على المزاج العام هنا تكون الإشكالية.
وإذا ما أصر صانع القرار على اعتبار المزاج المحلي أداة فاعلة في اتخاذ القرار دون اعتبار المزاج العالمي المنطلق ـ بتفاؤل ـ نحو الابتكار والإنتاج والانفتاح على الذات والآخر فتأكد أن الخسارة كبيرة وأن المشكلة «التنموية» ستكون أكثر صعوبة وتعقيداً.
وقبل ردم الفجوة بين المزاج العام «المحلي» والمزاج العام «العالمي»، لابد أن نفهم عمق الفجوة وربما القطيعة بين أمزجة أهل البيت الواحد.
اقترحت يوماً أن يكون لزاماً على أصحاب القرار، خاصة المعنيين بقطاع الخدمات، في العالم العربي أن ينزلوا إلى الشارع وأن يسافروا كما يسافر الناس ويذهبوا لنفس المستشفيات التي يعالج فيها قطاع واسع من مواطني بلادهم وأن يدرس أبناؤهم في مدارس الدولة ويصفوا مثلهم مثل غيرهم، في طوابير الانتظار في الوزارات والمطارات والمستشفيات. ماذا لو جرب المسؤول العربي أن يذهب ـ من وقت لآخر ـ لإصلاح سيارته في الصناعية وشراء الحليب واللبن والخبز لمنزله والصلاة مع جيرانه في مسجد الحي.
عندها ربما فهم المسؤول لماذا تغضب الناس وتنفعل وتطالب بالإصلاح وتحسين الأحوال. وذو المزاج العاقل سيدرك أن فهم «أمزجة» الناس فهم للتعامل مع ظروفها ومطالبها ومتاعبها وهمومها وطموحها وفي نهاية النهار ربما تحقق السلم الاجتماعي المنشود. فهل ينزل الوزير العربي إلى الشارع، إلى هموم الناس على الأرض وليس على الورق، كي يفهم لماذا تغضب الناس وتتحسر على الأوضاع وتشتكي من الغلاء وسوء الخدمات وقلة الحيلة؟
في التنمية، لا توجد «قضايا كبرى» و«مشاكل صغرى». التنمية هي كلّ متكامل وهي، في العالم العربي، «القضية الكبرى»، أو هكذا يجب أن تكون. فإن لم تجد دواءً في الصيدلية أو خبزاً وحليباً على رف البقالة كي تطعم أطفالك فكيف يعنيك الحديث الطويل عن بناء الجسور والمصانع والحدائق؟
وماذا يعنيك بلوغ سعر النفط المئة دولار وأنت مزحوم ومهموم ومشغول بتسديد قروض السيارة وديون الأرض وغلاء الإيجار؟ هنا أتذكر المثل الصيني القديم: « ماذا يهمني من اتساع الصحراء إذا كان حذائي ضيقاً؟» أفهمت أمزجة الناس الغاضبة في صحرائنا يا صديقي؟
في رحلتي القادمة عبر مطار دبي، سأحاول مرة أخرى أن أتغلب على زحام الطريق كي أصل بهدوء وأمشي بهدوء وأفهم لماذا تركض الناس من حولي سريعاً وفي كل الاتجاهات جرياً نحو الطائرة المحلقة في سماء دبي بعد قليل.
كاتب ومستشار إعلامي