تبدو المنطقة في سباق محموم مع الزمن. عامل الوقت، خصم للجميع. الملفات الملتهبة والمعلقة، محفظتها مزدحمة. مواعيدها هاجمة تباعاً وبفواصل ضيقة فيما بينها. لكن هناك خصماً أعتى وأخطر. الحركة المتعددة الجوانب والأطراف، للتعامل مع هذه الاستحقاقات؛ تفتقد لبوصلة، ترشد وتنظم إيقاعاتها. أجنداتها، ليست فقط متباعدة ولا تتقاطع فيما بينها؛ بل انها أيضاً متلاطمة.
وكلما ضغط الوقت أكثر، كلما ارتفعت وتيرة التضارب والتلاطم فيما بينها؛ وبالتالي ازداد الشرخ اتساعاً، بين أطرافها. دينامية أدّت إلى تزخيم عملية الاستقطاب والتجاذب، بين العواصم العربية المعنية بشكل أساسي.
استطراداً، ازداد انكشاف المنطقة، في مرحلة من أشدّ وأخطر مراحل تاريخها. وبذلك بقيت كل هذه الملفات في مهب الريح.
الوضع في غزة، على صفيح حام. ربما الهجمة الإسرائيلية الفاجرة بدمويتها، هبطت درجة شراستها، في اللحظة الراهنة. لكن التهديد باستئنافها قائم. الوزيرة رايس في المنطقة، لترميم المشهد الذي تركته الجريمة الإسرائيلية وتبريد ساحته السياسية لا أكثر.
هي منهمكة في تسويق العودة إلى طاولة المفاوضات. لكن بات من الواضح والثابت، أن مثل هذه العودة، لو حصلت على أرضية الحالة التي سبقت «محرقة» غزة؛ فإنها ستكون محكومة بإنتاج الظروف نفسها التي قادت إلى المجزرة وما تناسل عنها من تداعيات وتعقيدات.
طبعاً الأطراف الفلسطينية غير قادرة على تغيير المعطيات الخاصة بالآخر وحساباته. لكنها بالتأكيد قادرة على تغيير المعادلة الداخلية المعطوبة؛ والتي لا شك أنها ساهمت في فسح المجال أمام إسرائيل كي ترتكب جريمتها البشعة. انقسام الساحة الفلسطينية كان مكلفاً. والحبل على الجرّار، إذا طال التدارك. حالات الشطط فيها معروفة. التصحيح بيد أهلها. ولا بديل عن الوحدة الوطنية. غير ذلك يبقى في دائرة الوهم والنزف الذاتي.
الحال هي كذلك وربما أخطر في الساحة اللبنانية. جلسة البرلمان رقم 15، المقررة لانتخاب رئيس جمهورية جديد، باتت على الباب: يوم 11 مارس الجاري. حتى الآن، الأزمة لم تغادر مكانها. حروب الشروط والمطالب، لم تضع أوزارها. الملف سيكون من البنود الرئيسية، على جدول أعمال اجتماع وزراء الخارجية العرب، اليوم، في القاهرة؛ والذي يمهد للقمة الدورية في دمشق. وبين هذه الأخيرة واجتماع الوزراء، يتردد أنه من المحتمل انعقاد قمة مصغرة؛ في القاهرة أو شرم الشيخ.
يحصل كل ذلك فيما العراق ينهي اليوم عامه الخامس تحت الاحتلال، وهو لا يزال يتخبط في معضلاته، الأمنية والسياسية، المعروفة. كان الوضع الأمني قد سجل بعض التحسن مؤخراً. لكن العمليات الانتحارية عاد مؤشرها إلى الارتفاع؛ في الأيام الماضية؛ حسب ما كشفته الأرقام. والباقي على حاله؛ باستثناء التوغل التركي الأخير، الذي انتهى قبل أيام؛ من دون ضمان بأنه لن يتكرر لاحقاً.
اللوحة تتحدث عن نفسها. هي حصيلة تراكمات سلبية، أدّى تقادم الزمن عليها من دون حلول، إلى تضخّم أعطابها. بل إلى قدر خطير من التفكيك للساحات، كما لعلاقات أطرافها، المحلية والعربية.
القمة هي ـ مبدئياً ـ المستشفى لمعالجة الأعطاب الكبيرة. لكن ذلك لا يستقيم، في هذه اللحظة، من دون العودة إلى بوصلة ما، عربية؛ تضمن انعقاد القمة أولاً؛ ثم خروجها بحدّ ولو أدنى من الوفاق، على عدم تجاوز خطوط المصالح العربية العليا؛ وبما يمكّن من تجاوز مطبات الفترة الراهنة من دون المزيد من التفكك.
