كانت إسرائيل تعتمد كثيراً في الماضي للتغطية على اعتداءاتها على وسائل تضليل عديدة بينها تستر الدول الكبرى على جرائمها، وقيام وسائل الاعلام الدولية الموالية للتوجهات الصهيونية بـ (تغطية محرفة) للوقائع.

لكن هذه الوسائل في الحقيقة بدأت تفقد فاعليتها أمام يقظة الضمير الدولية ورفضه كل عمليات (التنويم المغناطيسي) التي يمارسها أنصار اسرائيل في العالم. وشيئا فشيئاً يلمس المرء أن ضمير البشرية يتأبى على (الإخماد) ويصرخ في وجه الساسة والمنظمات الدولية ان يقوموا بواجبهم في ردع العدوان ونصرة الشعب الفلسطيني المظلوم.

وقد اتضح ذلك جلياً من خلال المطالبات المتوالية لإجراء تحقيق محايد في الاعتداءات الاسرائيلية على النساء والأطفال والشيوخ في غزة وايقاع هذا العدد الكبير من ضحايا المدنيين الابرياء بسبب ما تقول المصادر الاسرائيلية نفسها إنها صواريخ (عبثية وبدائية).

وقد طالبت لويز أربور المفوضة العليا لحقوق الانسان في الامم المتحدة امس بتحقيق دولي في جرائم اسرائيل كما طالبت مجلس حقوق الانسان بالاضطلاع بمهمته القاضية بالدفاع عن عالمية الحريات الاساسية وتجاوز (الرهانات الصغيرة) من أجل ان يستحق المجلس مكانته في التاريخ.

ومن جهته عزز الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون من موقف المجلس في مواجهة منتقديه من انصار اسرائيل على غرار ما يسمى: الرابطة الدولية ضد مناهضة السامية. ودعا مون إلى احترام حقوق الانسان في العالم دون التأثر بـ (مناورات سياسية).

بل إن الانتقاد الموجه الى اسرائيل اخذ يتخذ منحى تهكمياً لتوصيف حالة (الاستئساد) الاسرائيلي على شعب أعزل في غزة كما أو وصفه وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير امس بـ (الاستفراس) الاسرائيلي، حيث من المعيب إنسانيا وأخلاقيا ان يعتبر جيش مدجج بالسلاح عدوانه على الأطفال والنساء عملاً من اعمال الفروسية.

مؤكداً (كوشنير) ان هذه الاعتداءات على قطاع غزة (لن تأتي بنتيجة مؤكداً أن الوضع بين اسرائيل وغزة يدور في حلقة مفرغة لا يمكن الخروج منها) وكوشنير على حق بكل تأكيد حيث إن النساء والأطفال والرضع لا يطلقون صواريخ، كما ان عمليات اطلاق الصواريخ لم تتوقف بعد العدوان الاسرائيلي الاخير على قطاع غزة والذي يعتبر الأكثر دموية منذ سبعة أعوام من عمر الانتفاضة الفلسطينية الثانية، فقد قدرت بعض الاوساط ان عدد الصواريخ البدائية التي سقطت على اسرائيل خلال وبعد عدوانها على غزة بلغ 24 صاروخاً سقطت في جنوب اسرائيل.

واقع الحال ان اسرائيل لديها مخطط للعدوان على الشعب الفلسطيني لاسباب سياسية وليس أمنية او تلك المرتبطة بالصواريخ العبثية، وقد أوجز هذه الحقيقة رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت امس بقوله ان العدوان على غزة ليس بسبب تعرض عسقلان للصواريخ الفلسطينية وإنما لأن الظروف اصبحت (ناضجة) ولنا ان نتساءل عن هذه (الظروف) التي لا علاقة لها بإطلاق الصواريخ على المستعمرات الاسرائيلية؟

إذا فقد دفع الفلسطينيون في الضفة والقطاع ثمناً لهذه (الظروف الناضجة) من دماء ابنائهم، وايضا صرخ الضمير العالمي في وجه الذين يهادنون او يشجعون الاعتداءات الاسرائيلية، والمفترض ان يتخذ وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم التشاوري اليوم بالقاهرة ما يشي بأن ثمة موقفاً رسمياً عربياً مناصراً للصمود الفلسطيني على ان يكون هذا الموقف مقدمة لموقف اقوى من خلال القمة العربية المقبلة في دمشق والتي تترنح من الآن تحت ضغوط تستهدف التضئيل من مساحة المحنة الفلسطينية ضمن بنود جدول أعمالها لحساب صراعات هامشية او مفتعلة او احيانا (خداعية) لصرف النظر عن قضايا العرب المصيرية.