استوقفنا تعليق قارئ على ارتفاع أسعار مواد البناء الذي كتبنا عنه يوم أمس، إذ قال ليت مآسي البناء تتوقف عند حد الانتظار لسنوات أو عند ارتفاع أسعار مواده، بل إن المأساة الأكبر هي إن مالك المسكن يكتشف بعد الانتقال إلى مسكنه أخطاء جسيمة تكلفه آلاف الدراهم نظير تصحيحها أو صيانتها، ولا يملك خلال فترة التعديلات سوى اللجوء إلى لجان المنازعات في الجهات المحلية والمحاكم منتظرا أن تنصفه من ظلم مقاول واستشاري وثق به وأسلمه إدارة مشروعه والإشراف عليه.
القارئ لم يبالغ في وصفه، فالشكاوى التي تتلقاها البلديات المحلية والمسجلة في المحاكم دليل قاطع على وجود الغش التجاري من قبل المقاولين، والذي يتمثل في تغيير المواصفات بما يتلاءم وأرباح المقاول، أو الإخلال بالمواصفات التي تشترطها البلديات المحلية حفاظا على المعايير والسلامة العامة، والتي يتم التغاضي عنها في البداية بموافقة استشاريين يتعاقد معهم المالك ويثق بهم لأنهم مختصون وباعتبار أنهم سيكونون حريصين اشد الحرص على مصلحته.
لكن ما يحدث في الواقع أن غالبية الاستشاريين وبسبب الشرط الذي تضعه البلديات لتقديم الأوراق من خلالهم، أصبحوا يستغلون حاجة المالك لهم، فيضعون نسبا عالية على قيمة العقد بينهم وبين المالك لا تقل عن 3%، ويتعاونون في الخفاء مع المقاول ضد المالك لأخذ نسبة أخرى يضمنونها من تجاوزات المقاول الرئيس أو مقاولي الباطن.
وفي النهاية تقع المصيبة على رأس المالك وحده الذي يدخل في صدام مع المقاول، في حين ينفذ الاستشاري بغرامة لا تساوي قيمة باب في فيلا المالك أحيانا، تجبره البلدية عليها، رغم أنه كاستشاري يعتبر المسؤول الأول عن أي تجاوز أو خطأ يرتكبه المقاول بصفته ممثل المالك والمشرف على المشروع، فلماذا تُخلى مسؤوليته في معظم القضايا، ولماذا يستمر في عمله طالما أنه خان الأمانة ولم يصدق في تعامله؟
أضف إلى ذلك أن بعض مفتشي البلديات والمسؤولين عن متابعة المشاريع والمرور عليها يتواطؤن أحيانا مع المقاولين والاستشاريين فيتغاضون عن أخطائهم وتجاوزاتهم إما لعمولة يضمنها المفتش لنفسه، أو بسبب ضغط العمل الناتج عن كثرة المواقع التي يتحمل مسؤوليتها والذي يقلل بدوره من مستوى دقة عمله ومراقبته على تلك المباني أو المشاريع.
إذا كان بعض القراء يعتقدون أننا نبالغ فيما نصفه فليبحثوا عن أعداد الشكاوى المقدمة إلى لجان المنازعات في البلديات، وليحصوا عدد القضايا ذات الصلة في أروقة محاكم الدولة، ونحن واثقون من أنهم سيجدون أرقاما مخيفة زاد عددها خاصة خلال السنوات الأخيرة بعد الطفرة العقارية التي تشهدها الدولة، فالمقاول والاستشاري على حد سواء لا هم لهم سوى الانتهاء من اكبر عدد من المشاريع، والحصول على اكبر نسبة أرباح.
ضاربين بمصلحة المالك والعامة عرض الحائط، خاصة إن توفر لهم موظفو بلديات يتهاونون ويتجاوزون معهم، أو لا يتابعونهم في الأصل، فالبلد في نظر كثير من المقاولين والاستشاريين ارض الأحلام الذهبية والشاطر فيها من يحصل على نصيب الذهب من هذه الثروة وان كانت النتيجة في مبان تقع على رؤوسنا وتفرغ جيوبنا. فما هو الحل وكيف نوقف فصول هذه المسرحية التي بات الغش عنوانا لها والجرم نهاية فيها؟ هذا ما سنناقشه في مقال آخر بإذن الله.
