في الأسبوع الماضي فور إعلان استقلال كوسوفو دعا ياسر عبد ربه أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى الحذو حذو كوسوفو وإعلان استقلال الدولة الفلسطينية من جانب واحد إذا فشلت المفاوضات الجارية هذا العام، ودعا عبد ربه إلى مؤتمر صحافي لشرح دعوته، لكنه عاد وألغى المؤتمر الصحافي دون ذكر الأسباب.
دعوة عبد ربه ليست خيالية بل هي احد الخيارات التي يجب أخذها بعين الاعتبار فلسطينيا في حالة فشل المفاوضات، ذلك ان كل الدلائل تشير حتى الآن إلى عدم جدية إسرائيل في الانهماك في المفاوضات بشكل مثمر وايجابي، فبعد شهور من مؤتمر انابوليس لم يتحقق أي شيء على الأرض، وظل المفاوضون يراوحون في مكانهم ولم يتم الاتفاق على أي شيء فعليا.
ولم يتم تشكيل لجان وزارية تفاوضية لبحث المسائل الفرعية إلا في الأسبوع الماضي، فيما اجل الإسرائيليون البحث في قضية القدس باعتبار أنها قضية شائكة وقد تنسف المفاوضات، وكان اتفق اثناء زيارة بوش على توجيه المفاوضات على ثلاثة مستويات، الأول على مستوى عال أي بين ايهود اولمرت ومحمود عباس والثاني على مستوى رئيسي الوفدين المفاوضين وهما تسيبي ليفني واحمد قريع.
والثالث على مستوى اللجان بمشاركة عن بعد من الوزيرة الأميركية كوندوليزا رايس التي ستزور المنطقة في الشهر المقبل وبمتابعة من المبعوث الأميركي الجنرال فريزر الذي سيراقب مدى تنفيذ الطرفين لالتزاماتهما وفقا لخارطة الطريق. ولأن العملية التفاوضية تسير بشكل سلحفائي فإن المخاوف من عدم انجاز أي اتفاق خلال هذا العام تبدو واقعية، حيث بدأ الإسرائيليون يتحدثون عن عدم إمكانية التوصل إلى اتفاق.
وإنما إلى مجرد إعلان مبادئ وهذا ينسف كل التوقعات التي قامت بعد مؤتمر انابوليس ويؤجل أي حل إلى مرحلة مقبلة تكون فيها الإدارة الأميركية الجديدة غير معنية بدفع العملية التفاوضية لأنها ستحتاج إلى وقت طويل قبل الانغماس فيها، فاقتراح عبد ربه لا يجب النظر إليه من زاوية انه مجرد دعوة طارئة بل يجب جمعه مع كل الاقتراحات الأخرى لاختيار بديل في حالة فشل العملية التفاوضية.
صحيح ان الاقتراح سحب من التداول بعد ساعات من طرحه نتيجة اتصالات عربية على مستوى عال طلبت من القيادة الفلسطينية منح المفاوضات فرصة فالدول العربية غير معنية بهذا الاقتراح حاليا، لأنها تعول على المفاوضات ولا يجب إعطاء إسرائيل فرصة للتنصل منها، وعندما سئل الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن هذه الدعوة قال ببساطة يجب إعطاء المفاوضات فرصة لأننا لم نفاوض إسرائيل عمليا منذ اغتيال اسحق رابين .
حيث توقفت المفاوضات فعلا منذ ذلك الحين، أما كامب ديفيد فكان مبادرة غير معد لها سلفا جيدا ففشلت، ومنذ بدء الانتفاضة لم تحدث مفاوضات، وكان الإسرائيليون يصفونني بأنني لست شريكا مثلما وصفوا الرئيس عرفات لكن منذ انابوليس بدأنا المفاوضات وسنتفاوض وسنرى، فالعرب ليسوا مستعدين لتقبل فكرة تكرار كوسوفو في فلسطين الآن. اقوال ابو مازن تنم عن رغبة وامل في ان تسفر المفاوضات عن شيء وهو يقول لو حسنت النوايا لاستطعنا التوصل إلى اتفاق خلال أسابيع..
ولكن، وعودة إلى اقتراح كوسوفية القضية الفلسطينية يمكن القول ان هذا الاقتراح يجب الإعداد له ودراسته، ففي حالة كوسوفو كان هناك دعم أوروبي أميركي وتواجد عسكري أوروبي في كوسوفو لأن الهدف الغربي هو سحب قطعة أخرى من منطقة النفوذ الروسي إلى النفوذ الغربي.
وحتى الآن لا يوجد تأييد فلسطيني وإقليمي لمثل هذه الخطوة، ناهيك عن التأييد العربي الغائب فما هو الحال مع الغرب وغيره؟. لكن يبقى الاقتراح جديرا بالأخذ، باعتباره خيارا ضمن خيارات أخرى يجب بحثها منذ الآن. ومنها أيضاً اقتراح حل السلطة وتحميل الاحتلال المسؤولية كاملة عن انهيار المفاوضات، ومنها أيضاً الدعوة لدمج الأراضي الفلسطينية ضمن الدولة الإسرائيلية على أساس المساواة في الحقوق .
وهو خيار يرعب إسرائيل نظرا لتأثيره الديموغرافي على اليهود، لأن عدد العرب الفلسطينيين سيزيد على خمسة ملايين ضمن حدود فلسطين التاريخية، فبينما يحاول الإسرائيليون الحصول على اعتراف دولي بيهودية دولتهم فإن خيار الدمج يعني إنهاء الأغلبية اليهودية التي ستتحول إلى أقلية خلال اقل من عقد. إسرائيل عمليا ترفض الخيارات الثلاثة سواء الاستقلال الأحادي أو الدمج أو حل السلطة.
لأنها في كل الحالات ستكون الخاسرة ولهذا فإنها معنية ببقاء السلطة كإطار يحمل عنها عبء رعاية الفلسطينيين معيشيا ويخلي طرفها من اية مسؤولية وهي في سبيل ذلك مستعدة لإخراج نوع من الاتفاق خلال هذا العام على ان يتم تنفيذه على مراحل طويلة الأجل، فيما يرى الرئيس الفلسطيني انه سيعود إلى القمة العربية اولا في حالة فشل المفاوضات والى المجتمع الدولي ثم ترك الأمر للمجلس الوطني الفلسطيني.
لكي يقرر الخطوة التالية، ولا اظن ان الوضع الفلسطيني وهو في أدنى حالاته بقادر على إبداع أي خيار من تلك الخيارات، بل سيصدع للأمر الواقع كما يمليه الإسرائيليون ولن يتخذ مبادرة عملية لقلب الأوضاع بهدف الضغط على إسرائيل، كما ان حالة الانقسام الداخلي ستمنع أي تحرك شعبي نحو أي خيار.
إذ ثمة رؤى مختلفة بين حماس وفتح ولا يمكنهما الاتفاق على تبني أي خيار وحتى لو تبنى احدهما خيارا فإنه عاجز عن تجسيده بسبب حالة الضعف هذه. ولعل الإسرائيليين عندما يتحدثون منذ اليوم عن إعلان مبادئ في نهاية العام بدلا عن اتفاق فإنما يستندون إلى ان الجانب الفلسطيني أو العربي ليس مؤهلا لأخذ خيارات حاسمة، وبالتالي ستبقى اليد الطولى لإسرائيل في تقرير الأمور وليس غيرها.