عندما أعلن رئيس الوزراء التشيكي ميريك توبولانيك قبل أيام من واشنطن أن بلاده باتت قاب قوسين أو أدنى من التوقيع على الاتفاقية النهائية الخاصة بإنشاء قاعدة الرادار الأميركية فوق الأراضي التشيكية، كان يرمي لتحقيق جملة من الأهداف التي يمكن اختصارها على الشكل التالي:
ـ الإصرار على تأكيد الخيارات الاستراتيجية التي قررت بلاده تبنّيها منذ انهيار النظام الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا السابقة، وبالتالي دحض جميع الإشاعات التي ترددت مؤخرا في وسط أوروبا عن احتمال إجراء أي تعديل في المسار الجيوسياسي والعسكري التشيكي.
ـ والاستمرار بالتحضير التدريجي للرأي العام المحلي والأوروبي، وربما الدولي أيضا، لقبول واقع الحال المتجسّد بانطلاق التحرك الفعلي لعملية تغيير الوجود العسكري الأميركي من الدول الأوروبية الغربية التي كان يتمترس فيها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، إلى خطوة جديدة لكن مهمة جدا، باتجاه الشرق.
وبالرغم من أن هذه التصريحات والتحركات قد تبدو في إطارها العام عادية ومتوقعة في ظل المشاورات المستمرة منذ فترة بين تشيكيا وبولندا من جهة والجانب الأميركي من جهة أخرى بخصوص ما بات يعرف بالدرع الواقية من الصواريخ المعادية، إلا أن الرمزية التي رافقت ذلك النشاط الدبلوماسي أوضحت بما لا يدع مجالا للشك، أن تشيكيا ومعها بعض دول أوروبا الشيوعية السابقة، قد انتقلت فعليا إلى دائرة النفوذ الأميركي مع كل ما قد يعنيه ذلك من معان وتبعات.
لقد حرص توبولانيك خلال هذه الزيارة على إرسال أكثر من إشارة في أكثر من اتجاه، لعلّ أهمها تلك الموجهة نحو الرأي العام الداخلي والتي حاول من خلالها الإيهام بأن جهوده ساهمت بإقناع الإدارة الأميركية للتوقيع على مذكرة تفاهم ستؤدي تدريجيا وخلال فترة قصيرة لشطب تشيكيا من دائرة الدول التي يحتاج مواطنيها إلى تأشيرة دخول أميركية.
وقد يبدو الأمر عاديا بالنسبة للبعض لكنه في الحقيقة أمر في غاية الأهمية وفق المقياس الداخلي لأي بلد، أخذا بعين الاعتبار أن كثيرا من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لا تزال تعاني من هذه المشكلة وتسعى لتذليلها بكل ما أوتيت من قوة.
وإذا أخذنا الأمور انطلاقا من المنطق الذي تشير إليه المعارضة التشيكية على الأقل، فان هذا الأمر يكشف بعضا من أشكال المساومات والصفقات وربما الامتيازات أيضا، التي بدأت تنهال على الدول التي وافقت على المشاركة في الخطط العسكرية الأميركية أحادية الجانب، بالرغم من أن هذه الخطط أثارت ولا تزال حفيظة كثير من الدول الحليفة التي تعتبر نفسها جزءا من الحظيرة العسكرية الشاملة المتجسدة بحلف الناتو.
الإشارة الثانية المهمة التي أطلقها توبولانيك في زيارته الشهيرة تمثلت في إصراره على صبغ التحالف التشيكي الأميركي بطابع إيديولوجي - أخلاقي ـ مبدئي، وذلك من خلال حدث احتفالي عادي تمثّل في تكريم ثلاثة من المواطنين التشيك الذين هربوا من النظام الشيوعي السابق وقَتَلوا أثناء عملية الهرب عددا من الأشخاص الأبرياء.
فقد شكّل موضوع تكريم هؤلاء أزمة سياسية دائمة في البلاد انطلاقا من حقيقة أن قسم من المجتمع التشيكي (الموالي لأميركا والمُثُل التي تتبناها) يعتبرهم أبطالا لأنهم ناضلوا ضد القمع الشيوعي وبالتالي لا يجب في هذه الحال ان تُحسب الضحايا البريئة، في حين يصفهم القسم الآخر المتفاوت في انتمائه السياسي بأنهم مجرمون يستحقون العقاب.
ولقد أصر توبولانيك على منح ميداليته الخاصة لهؤلاء الأشخاص في الولايات المتحدة حيث يقيمون لأنه أراد أن يؤكد، مثلما عبّر عن ذلك بشكل واضح، بأن هذا التصرف يكرّس الخيار الانتمائي لتشيكيا بصفتها «بلدا يقع ضمن مصاف الدول الديمقراطية التي يجب أن تحترم أبطالها المناضلين بشدة ضد الأنظمة الشمولية».
أما الإشارة الثالثة والأكثر أهمية حسب رأيي فتمثلت بالجدل العنيف الذي اندلع على الساحة المحلية بالتزامن مع زيارة توبولانيك إلى واشنطن، وذلك بسبب زيارة أخرى قام بها إلى سوريا ييرجي باروبيك رئيس الحزب الاجتماعي الديمقراطي المعارض وأبرز المنافسين لتولي رئاسة الحكومة التشيكية في المستقبل.
فقد حوّل توبولانيك زيارة غريمه السياسي إلى بلد ينتمي «لمحور الشر»، إلى معركة سياسية حاول من خلالها عكس ما وصفه بالتناقض الكبير في المبادئ بين التيارين السياسيين اللذين يمثله كل منهما على الساحة المحلية، وسعيهما لتكريس تلك المبادئ في مسار السياسة الخارجية التشيكية.
وكما قد يبدو واضحا من هذا السرد، فان توبولانيك وضع نفسه في خانة القائد الذي يناضل في أميركا من أجل تعزيز أمن واستقرار تشيكيا وتكريس انتمائها الديمقراطي الجديد، في حين يسعى سياسيون آخرون (حسب رأيه طبعا) لإعادة البلاد إلى «أحضان الأنظمة الشمولية التي تعيش وتحيا على قمع الحريات الفكرية وزج أدبائها في السجون».
وفي حقيقة الأمر فان ما أثارني في هذه المقاربة ليس ما ذكره رئيس الوزراء التشيكي بالمطلق حول زيارة غريمه إلى دمشق (حيث انني قد أتفق معه في رفض الممارسات المتعلقة بسجناء الرأي والفكر تحديدا)، بل تحويل هذه الزيارة إلى مادة للصراع الداخلي بحيث ينقسم فيها العالم حسب منطقه الإيديولوجي إلى جزأين: واحد حر وديمقراطي متجسد بالولايات المتحدة الأميركية ومن يتحالف معها، وآخر متخلف ووحشي متجسد بسوريا الشمولية لكنه ينطلق منها في محاكاة المنطق الإنساني العادي إلى الإطار العربي الأشمل.
ويبدو لي أن الفرادة في كل ما نشهده من صراع داخلي هو أن القوى المحلية بدأت تستغل الحيرة القائمة لدى بعضها البعض في مسألة تحديد الانتماء الجيو سياسي للبلاد لتنطلق منها إلى ما هو أخطر بكثير، فتسمح لنفسها بفرز المجتمعات والأوطان وفق أهوائها ومعتقداتها، وتستخدمها في الاقتتال الحزبي القذر الذي لا يرحم أحدا، باستثناء الولايات المتحدة بالطبع التي لا يتجرأ أحد منها على انتقادها.
لكن برغم كل هذه التناقضات والصراع الحزبي المرير، لا تبدو تشيكيا الرسمية بشقيها الحاكم والمعارض منقسمة على نفسها فيما يتعلق بالتوجه الاستراتيجي النهائي القاضي بإنشاء القاعدة الأميركية فوق أراضيها. وبغض النظر عن اللغة الإعلامية الدعائية التي نسمعها بين وقت وآخر، يبدو أن تشيكيا قد سلكت طريقا لا عودة عنه في مسألة الانتماء وتحديد الخيارات والأولويات.
ما يهمّنا كعرب في كل هذه المعمعة هو أن نبقى خارج الصراع الحزبي القائم في دول لا يعرف كثيرون موقعها على الخارطة الجغرافية. انه تحد جديد سنضطر لمواجهته بكل صلابة حفاظا على ما تبقى من كرامة هذه الأمة
كاتب لبناني