للمرة الثامنة تأتي الوزيرة رايس إلى المنطقة، في أعقاب تخريب تقوم به إسرائيل. إما على صعيد عملية التفاوض، أو التوسع الاستيطاني، أو افتعال مشكلات، تنطلق منها لرفع وتيرة عدوانها المتواصل، على الشعب الفلسطيني ، تهرول الوزيرة إلى المنطقة بزعم الإنقاذ ، تبدأ جولاتها المكوكية بين القدس ورام الله .
وتنتهي المهمة بلقاء بين القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية يتمخّض عن وعود وتطمينات، أميركية ناهيك بالإسرائيلية ، قبل أن يجف حبر الصفحة الجديدة المزعومة، تبدأ إسرائيل مسيرة العودة إلى الدوّامة نفسها ، و تعود الأمور بطبيعة الحال إلى عنق الزجاجة مرة أخرى. ومن جديد تحزم الوزيرة حقائبها وتتجه إلى الشرق الأوسط، في مهمة مكررة تنتهي بخاتمة مألوفة ، وهكذا دواليك.
تعذّر الخروج من هذه الدائرة المغلقة يعود في الأساس إلى أن الوزيرة ـ كما كان أسلافها ـ تأتي ليس لإصلاح التخريب الإسرائيلي، مع ما يقتضي ذلك من حمل إسرائيل على التراجع عن عدوانها على «عملية السلام»؛ بل لتسويق تخريبها وتعويمه. ويحصل ذلك عن طريق افتعال الموازاة والتوازن، بين عدوانية إسرائيل وبين ردود فعل الجانب الفلسطيني ، هنا تكمن العلّة في الدور الأميركي ، هكذا كانت ويبدو أنها لا تزال كذلك.
اليوم تعود الوزيرة رايس إلى المنطقة في ظروف مماثلة ، لكن هذه المرة التخريب الإسرائيلي من العيار الفاحش ، جريمتها في غزة كبيرة من نوع «المحرقة» التي هددت بها ووضعتها موضع التنفيذ ، في أقل من ثلاثة أيام كانت حصيلة عدوانها البري والجوي مئة قتيل ومئات الجرحى.
فضلاً عن ما أدّى إليه ذلك مع الحصار الخانق من تداعيات وذيول على كافة الأصعدة الإنسانية والاجتماعية والأمنية. كارثة قيد الصيرورة في قطاع غزة. وبالرغم من الانحسار النسبي في العمليات العسكرية المتزامن مع وصول الوزيرة، ومن التنديدات الدولية الواسعة؛ إلا أن إسرائيل لم تضع حدّاً بعد لعدوانها ، الوزيرة ليفني أكدت أن إسرائيل « لن تغيّر أبداً سياستها تجاه القطاع» ، و رئيسها أولمرت كاد أن يوبّخ المنتقدين.
بزعم أن إسرائيل تقوم «بواجبها في الدفاع عن مواطنيها»، الدفاع بالنسبة إليه يعني «المحرقة»، ومع ذلك فهو يردد مزمجراً، بأن « لا أحد يملك الحق الأخلاقي ليملي على إسرائيل درساً في الأخلاق» ، كلام ليس من المتوقع أن يسمع العالم غيره من مسؤول إسرائيلي .
لكن المشكلة أن واشنطن التي رأت وسمعت وعلى علم بما حصل رفضت إدانته، ووقفت ضدّ مشروع قرار في مجلس الأمن يدين إسرائيل ويطالبها بوقف عدوانها؛ وحالت دون صدوره، واكتفت بالتعبير الخجول بكل حال عن أسفها لوقوع ضحايا من بين المدنيين من الجانبين. لا فرق إن كانوا مئة مقابل ثلاثة. المهم التوازن،على الطريقة الأميركية.
غني عن القول إن كل شيء، في أعقاب هذه الهجمة الكاسرة، بات مهدداً. وبالتحديد مفاوضات السلام. هذا إذا كان قد بقي منها شيء. إذا كانت رئيسة الدبلوماسية الأميركية قادمة للقيام بعملية إنقاذ فعلي ونوعي هذه المرة فعليها أن تنأى عن دور الإطفائي للنار الإسرائيلية فقط وتوفير اللفلفة لجريمتها. عليها أن تحمل تل أبيب على صرف النظر، مرة واحدة، عن سياسة التخريب على «عملية السلام». ما عدا ذلك تبقى محاولتها من ذات البضاعة المعروفة...والمستحيلة.
