في الوقت الذي تتواصل فيه الأعمال الإجرامية والوحشية الإسرائيلية ضد أبناء الشعب الفلسطيني الشقيق، وفي حين يتواصل نزيف الدم الفلسطيني بغزارة، فإنه يبدو ان العالم على اتساعه لا يهتم كثيرا بما يجري، أو بالأحرى يصم آذانه عن المجازر الإسرائيلية التي تطال الاطفال والنساء وحتى نزلاء المستشفيات في قطاع غزة المحتل. نعم أشار مجلس الأمن الدولي إلى ما يجري على استحياء، وتحدث الأمين العام للأمم المتحدة عمّا أسماه أعمال العنف والإرهاب، ودعا إلى ضبط النفس ووقف هذه الأعمال، واشار بعض الأطراف إلى القلق وحذر البعض الآخر من خطورة المحرقة التي تمارسها القوات الإسرائيلية بأسلحتها المتطورة في قطاع غزة الفلسطيني، ومع ذلك يتوقف الحديث ويتجمد اللوم عند ذلك الحد، وكأن هذا هو كل الممكن أو المطلوب أو المتاح من جانب دول وأطراف مؤثرة وتهتز إذا حدث ولو جزء صغير من ذلك في أي مكان آخر من العالم أو لأي من أصدقائها بمن فيهم إسرائيل.
على أية حال فإنه مع الوضع في الاعتبار ان إسرائيل اعتادت على أن تضرب بقرارات، وبالطبع ببيانات مجلس الأمن الدولي عرض الحائط منذ عشرات السنين فإنه أيا كان ما يقوله مجلس الأمن الدولي فإنه لن يؤثر على الموقف الإسرائيلي طالما انها تتمتع بالتفهم والتأييد من جانب أكبر قوة في العصر الحديث.
ومن المؤكد ان السلطات الإسرائيلية تشعر بالامتنان ليس فقط للولايات المتحدة الامريكية، ولكن أيضا للكثير من الدول التي تفضل الانحياز إلى جانبها، واغلاق عيونها عما ترتكبه إسرائيل من جرائم في حق الإنسانية، وما تنتهكه من قواعد القانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية ذات الصلة. ويصل الامتنان الإسرائيلي إلى ذروته عندما تقترن مواقف بعض الأطراف الدولية بمغالطات شديدة وسافرة تتناقض على طول الخط مع مبادئ القانون الدولي وما تستند اليه المواثيق الدولية من قواعد راسخة تحرم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة من ناحية، وتعترف بحق الدول والشعوب في الدفاع عن نفسها وعن أراضيها وشعوبها ضد كل محتل أو غاصب من ناحية ثانية، وهو حق أصيل ومعروف قانونيا وسياسيا منذ قرون عديدة.
ان الحديث، أو بمعنى أدق الزعم بأن إسرائيل، بما تقوم به من عدوان وما ترتكبه من مذابح، إنما تقوم بالدفاع الشرعي عن نفسها في مواجهة قصف الصواريخ الفلسطينية من غزة ضد مستوطناتها، هو في الواقع زعم مردود عليه. وذلك لاعتبارين أساسيين :
أولهما: ان حق الدفاع عن النفس هو حق أصيل في النواميس الانسانية وفي القانون الدولي تتمتع به الدول والمجتمعات في مواجهة، أو للرد على ما قد تتعرض له من عدوان أو انتهاك لحرمة اراضيها أو تدخل في شؤونها الداخلية، وان هذا الحق يمكن للدولة ان تمارسه منفردة أو بمساعدة المجتمع الدولي من حولها وفقا للقانون الدولي، وهو ما لا ينطبق على إسرائيل ولا على ما ترتكبه من جرائم في قطاع غزة المحتل لأن إسرائيل لم تتعرض ببساطة لاعتداء فلسطيني يستوجب هذا الاستخدام المفرط والمبالغ فيه للقوة ضد الفلسطينيين.
اما الاعتبار الثاني فإنه يتمثل في ان إسرائيل دولة احتلال، أي انها هي التي تحتل الأراضي الفلسطينية وليس العكس. وان هناك عشرات القرارات الدولية من مجلس الأمن ومن مختلف المنظمات الدولية التي تؤكد على الحقوق الفلسطينية وعلي ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام .1967 وعلى ذلك فإن أعمالها الإجرامية في قطاع غزة المحتل هي جريمة مزدوجة، احتلال للأرض وتنكيل وعقاب جماعي لأهلها. ومن ثم فإن حق الدفاع الشرعي لا يكون للمحتل ولكنه يكون لصاحب الارض المحتلة ولمن اغتصبت حقوقه. وإذا انسحبت إسرائيل وأقيمت الدولة الفلسطينية المستقلة فإنه من حقها عندئذ ان تدافع عن نفسها إذا تعرضت لأي مساس بحدودها أو مدنها. أما الآن فإن احتلالها للأراضي الفلسطينية وفرضها للاحتلال بالقوة يبرر للفلسطينيين حقهم في الدفاع عن أنفسهم بالوسائل التي تمكنهم من استعادة حقوقهم ومحاولة تجريد إسرائيل من قوتها الغاشمة بقدر الامكان.
