في الوقت الذي أعلنت فيه البرامج الحكومية الاتحادية والمحلية عن المزيد من المنح السكنية التي استهدفت تحقيق رغد العيش واستقراره للمواطنين، أطلت قضايا اقتصادية برأسها لتتزامن مع الإعلان عن هذه المساكن، واهم هذه القضايا ارتفاع أسعار مواد البناء والتي منها أسعار الاسمنت التي ارتفعت حتى اليوم بنسبة عشرين في المائة خلال فترة قصيرة لم تتجاوز الثلاثة أسابيع.

الأمر الذي يمكن اعتباره منغصا لفرحة المواطنين الذين سيواجهون تحديات كبيرة بسبب ارتفاع أسعار مواد البناء، وارتفاع أسعار عقود المقاولين المتوقعة خلال المرحلة المقبلة، لاسيما بعد أن طالب أحمد سيف بالحصا، رئيس جمعية المقاولين بأن تسمح الحكومة برفع قيمة العقود بنسب مماثلة للزيادات التي تطرأ على السوق.

رئيس جمعية المقاولين أرجع أسباب ارتفاع أسعار الاسمنت إلى قرار حكومي صدر أخيرا يلزم مصانع الإسمنت بخفض استهلاكها من الطاقة الكهربائية بنسبة تتراوح بين 25 و30 %، الأمر الذي أدى إلى انخفاض إنتاج هذه المصانع، وحدوث نقص في المعروض بالسوق المحلية، هذا بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الوقود ومساهمته في رفع تكاليف الإنتاج بنسب مضاعفة. الأمر الذي يؤذن بارتفاعات جديدة تطرأ على أسعار العقارات، بناء وبيعا وإيجارا مستقبلاً.

وهنا نتساءل: إذا كانت الحكومات المحلية نفسها هي التي تقف وراء معظم المشاريع العقارية والاستثمار فيها، وتعلن في الوقت نفسه عن تخصيص وحدات سكنية للمواطنين، فكيف يصدر قرار بخفض استهلاك الطاقة الكهربائية في وقت الذروة الإنشائية والحاجة إلى تشييد وتسليم العديد من المشاريع العقارية التي تتطلب زيادة إنتاج الاسمنت وليس خفضه؟

أين البدائل المتاحة لشركات المقاولات التي تنشئ وتطور المشاريع وربما تتكبد خسائر فيما لو أبقت على أسعارها الحالية؟ وأين البدائل المتاحة التي تقي المواطنين، ذوي الدخل المحدود من الرضوخ للغلاء الذي يشهده قطاع البناء لاسيما وهي تواجه مشكلات في التمويل رغم دعم الحكومة؟ وكيف ستكون مواجهتها في حال ارتفعت الأسعار بصورة تفوق طاقتها؟

ندرك أن للحكومة أسبابها في قرار خفض استهلاك الطاقة الكهربائية لكن يفترض أن تضع الجهات المسؤولة التي تلزم بالقرار البدائل المناسبة التي تحمي المستهلكين من تبعات قراراتها كتعويض نقص إنتاج الاسمنت من خلال الاستيراد من الخارج، ولفترة محددة لحين يتم انجاز اكبر عدد من المشاريع، أما إصدار القرارات وعدم حساب تداعياتها ووضع البدائل لها يضع الجميع في مأزق ويعرض السوق المحلية لمزيد من الضغوط التي يدفع في الغالب ثمنها المستهلك وخاصة محدودي الدخل.

منذ يومين نشرت «العربية نت» تقريرا أشارت فيه إلى أن كثيرا من مشتري الوحدات العقارية بالإمارات يخشون عدم تمكنهم من تسلم عقاراتهم بموعدها المحدد بعد الارتفاعات المتلاحقة التي طرأت على أسعار مواد البناء، مثل الحديد ومواد أخرى كالديزل والكهرباء.

فإذا كانت هذه مخاوف المشترين فكيف نتخيل أوضاع مواطنين، طال انتظارهم للحصول على منحة أو قرض سكني وربما يتعثر مشروعهم بسبب غلاء طرأ في وقت شهدوا فيه الإعلان عن اكبر عدد من المساكن الحكومية منذ قيام الدولة؟ السيطرة على ارتفاع أسعار أي سلعة ليس بالأمر المستحيل طالما وجدت البدائل، لكنها بحاجة لمن يبحث عنها ويحسن استخدامها كما فعلت الجمعيات التعاونية التي تمكنت من خفض أسعار الأرز والبيض وأعادتهما لمستواهما الطبيعي.

maysaghadeer@yahoo.com