حينما يعلنها أولمرت باسم «إسرائيل» ومؤسستها الحربية وأقطابها السياسيين أنها «حرب مفتوحة» على غزة، مؤكدا «تدور حرب في الجنوب..كل يوم وكل ليلة»، مضيفا بعد دقائق من غارة جوية جديدة «ان هذه الحرب لن تتوقف» حتى يتوقف سقوط الصواريخ على إسرائيل ـ وكالات الأنباء»، فانه يكشف هنا عن الأجندة الحقيقية المبيتة للفلسطينيين ليس في غزة فقط وإنما في الضفة والخارج أيضا.

وحينما يهدد ثانية وثالثة و«.كلما دق الكوز بالجرة» قائلا: «إنه في الجنوب تدور حرب وأن أحداً في حماس لا في المستوى المنخفض ولا في المستوى العالي، سيكون حصينا من تلك الحرب»، فإن التصعيد التدريجي ل«المحرقة» يغدو أوضح من أي وقت مضى.

هذا التصعيد الإجرامي الذي توجه أولمرت بمجزرة الأربعاء والخميس والجمعة والسبت ـ والمجزرة مفتوحة ـ بسقوط نحو 45 شهيدا ثلثهم من الأطفال.

وليس ذلك فحسب، فهاهو نائب وزير الحرب الجنرال فيلنائي يهدد بتنفيذ «محرقة ـ إبادة جماعية ـ هولوكوست ـ بغزة في حال استمرار إطلاق الصواريخ على إسرائيل»، و«الكابينت ـ المجلس الأمني المصغر ـ «يقرر شن حرب مصغرة بدلا من الاجتياح الشامل ـ مرحليا ـ المصادر العبرية 2008/2/29».

تعيدنا هذه المجزرة قليلا إلى الوراء حينما تفاخر رئيس الشاباك الإسرائيلي «يوفال ديسكين» في الجلسة الحكومية الأحد 2008/1/14 ب«قتل ألف فلسطيني»، وزايد عليه «آفي ديختر» وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي بقوله «هناك حوالي 20 ألف مخرب في القطاع يجب قتلهم»، ليلحق بهما أولمرت قائلا: «يوجد هناك حرب، وإسرائيل تتصرف بذكاء، ومئات القتلى في قطاع غزة في السنة في وسط المنظمات الإرهابية هو ثمن لا بأس به تدفعه تلك المنظمات».

ولم تمض على ذلك سوى ساعات حتى اقترفت مجزرة الثلاثاء الحمراء 2008/1/19 التي أسفرت عن استشهاد نحو عشرين فلسطينيا ونحو ستين مصابا بعضهم إصاباتهم مميتة، فلم تكن تلك المجزرة الأولى، ولم تكن الأخيرة.

إنها إذن «المحرقة» المتدحرجة الإبادية في فلسطين فالذي يجري في هذه الأيام على امتداد مساحة الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل عام، وعلى أرض القطاع على نحو حصري مخطط ومبيت ومؤدلج ومدجج بفتاوى وتشريعات الحاخامات، وبالقرار والتصميم والإصرار الرسمي والأمني ـ الحربي الإسرائيلي.

والذي يجري على أرض القطاع يمكن أن نطلق عليه المجزرة ـ المذبحة المفتوحة التي تنفذ مع سبق التخطيط والتبييت والترصد في إطار إستراتيجية قطع رؤوس المقاومة ومقومات الصمود الفلسطيني، والقضاء على مصنع الإرهاب المزعوم.

إنها المجزرة المفتوحة ترتكبها «إسرائيل» بشهية مفتوحة للدم العربي الفلسطيني وسط صمت عربي ودولي مطبق، في وقت يطلق قادة أولمرت وأركان جيشه وحكمه المزيد من تهديدات سفك الدماء.

فهي أيام الدم المتصلة في غزة والضفة، وأطفال فلسطين شهداؤها. وكأن هذه الحرب المفتوحة في جوهرها حرب على الأطفال والأجيال في فلسطين،وهي حرب حقيقية تمارس بشكل مكثف وتشهد تصعيداً خطيرا مع سبق التخطيط الإجرامي في الأيام الأخيرة.

وكأن القيادات السياسية والأمنية الإسرائيلية تسعى لتجسيد عبرها ودروسها المستخلصة في تقرير فينوغراد عن هزيمتها الساحقة في صيف ـ 2006 على اللحم الفلسطيني، وكأنها تلملم نفسها وردعها من جديد على الجبهة الفلسطينية غير المتكافئة، وكأنها تريد ان تقول للإسرائيليين والعالم أنها «إسرائيل» هي..هي لم تتغير، وأن قدراتها العسكرية والأمنية لم تتضرر، وان جيشها وقواتها الخاصة ومروحياتها الاغتيالية لاتزال بكامل عافيتها الإرهابية.

وأنها قادرة على مواصلة المجزرة المتدحرجة ضد كل الفلسطينيين الذين تسول لهم أنفسهم بالاقتداء بنموذج حزب الله في لبنان مثلا، وكأنها تطلق رسالة للفلسطينيين والعرب والعالم أنها لن تخرج من جلدها الإرهابي المجازري أبدا، وأن المعركة مع الفلسطينيين المرابطين على خاصرتيها مسألة استراتيجية أخرى تختلف عن المعركة مع حزب الله.

وربما الأهم من كل ذلك أن هستيريا الإرهاب والاغتيالات والمجزرة المتدحرجة أخذت تنصب على رؤوس الفلسطينيين مركبة في أعقاب الهزيمة وانسحاق الردع والهيبة الإسرائيلية في لبنان. فحسب معطيات المشهد الفلسطيني فإن عمليات القتل ضد أطفال ونساء وشيب وشبان فلسطين مستمرة بصورة يومية وبالبث الحي والمباشر، فكل يوم ثلاثة أو خمسة أو سبعة أو عشرة شهداء أو خمسة عشر أو عشرين نصفهم من النساء والأطفال والشيوخ أو أكثر...!

فحسب داني روبنشتاين الخبير في الشؤون الإسرائيلية في صحيفة هآرتس «إن إسرائيل تواصل سياستها ضد الفلسطينيين كالمعتاد غير آبهة بالتطورات أو بالمفاوضات، وهذه ليست طريقة لعقد الاتفاقات» وانها تتصرف وكأن كل التفاعلات السياسية الفلسطينية مسألة لا تعنيها، فهم أي ـ قوات الاحتلال والمستعمرون ـ يواصلون اقتلاع أشجار الزيتون، ومصادرة الأراضي من أجل الجدار والاستيطان ويواصلون الاجتياحات والتصفيات والاعتقالات..وكالعادة ليست هناك نهاية لعمليات التنكيل على الحواجز التي لا تقلق أحدا في إسرائيل باستثناء مجموعة نساء «محسوم ووتش».

وكأن اولمرت يقول للإسرائيليين والفلسطينيين مجددا «لا أريد أن ينام احد ليلا في غزة «و«أن علينا أن نعرف متى نكشر عن أنيابنا.». ولكن الحق هنا ليس على «إسرائيل» الإرهابية فهذه طبيعتها وإستراتيجيتها تجاه الشعب العربي الفلسطيني، وإنما على العرب المتفرجين المتبلدين.

والحق أيضاً على المجتمع الدولي الذي «يتفهم إسرائيل» في حربها على «الإرهاب الفلسطيني»، يفترض منطقيا واستراتيجيا ان ترخي الحرب الاولمرتية ـ الباراكية المفتوحة والمحرقة المتدحرجة ضد فلسطين الإنسان والشجر والحجر تداعيات خطيرة تحرك أطراف الجسم العربي المخدر إلى درجة لا يصدقها حتى أعداء الأمة.

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com