كل شياطين الأرض تكالبت واتحدت مشكلة بيئة نموذجية لمواصلة آلة الحرب الصهيونية عدوانها السافر على الفلسطينيين العزل في غزة والضفة. فالجميع يعرب وبكل قواه العقلية والجسدية عن حرصه على أمن الدولة العبرية على اعتباره شأنا مقدسا المساس به من كبائر المحرمات. الجميع بلا استثناء، الأصدقاء قبل الأعداء أو أشباههم. حتى السكوت السلبي بات من المحظورات في حضرة سبات الضمير وطغيان الخذلان وشيوع مقولات من نوع اللهم أسألك نفسي ومن بعدي فليأتي الطوفان.
نظرة سريعة على العناصر المكونة أو المكملة للمشهد الدامي في قطاع غزة والضفة الغربية تبين أن هناك حالة تفرد منقطعة النظير، تفرد طرف يمتلك واحدة من أعتى آلات القتل في العالم بطرف لا يملك حتى قوت يومه، طرف معتدي يحظى بدعم القريب قبل الغريب ضد طرف معتدى عليه لم يبق أحد إلا وأغمد سكينه في صدره أو ظهره، لا فرق.
آلة للقتل تمعن في غيها تحت غطاء سياسي وعسكري وحتى عقائدي وقح فريد من نوعه يبدأ بالتحكم بمصائر أنظمة سياسية لا تأبه إلا في البقاء في سدة الحكم ولا ينتهي بالبلطجة و«التشبيح» واستعراض العضلات في شرق المتوسط، مرورا بمجموعة من المواقف والتصريحات التكميلية التي تحاول تجميل وجه القاتل وإلصاق أبشع الصفات بالضحية.
من هنا يأتي، مثلا،السباق المستعر بين مرشحي الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة نحو تقديم أوراق اعتماد كل منهم لقادة الحركة الصهيونية العالمية وربيبتها «إسرائيل»، وفي هذا السياق يأتي تصريح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي قال فيه إنه لن يضع يده في يد من لا يعترف بالدولة العبرية.
ومن هنا يأتي حرص المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على حضور حفل افتتاح أضخم مركز يهودي في ألمانيا، وفي هذا السياق تصب تصريحات بعض المسؤولين العرب الذين وصل وقاحة بعضهم إلى حد توجيه تهديدات واضحة وصريحة للفلسطينيين.
لكن بيضة القبان في مجمل هذا الغطاء السياسي العسكري العقائدي خرجت من حضن سلطة فلسطينية لم يتورع رئيسها عن تقديم الذريعة المثلى لهذا العدوان السافر حين اتهم حركة حماس بإدخال تنظيم القاعدة إلى قطاع غزة في محاولة منه لإدراج مدن ومخيمات ومناطق غزة ضمن أهداف ما يسمى الحرب ضد الإرهاب المعلنة من قبل الولايات المتحدة.
هذا الكلام ليس تصيدا في الماء العكر ولا هو محاولة للنيل من سمعة هذا الطرف أو ذاك، فلقد جاء الاتهام الخطير في مقابلة أجرتها صحيفة الحياة اللندنية مع رئيس السلطة مؤخرا، وهي مقابلة غصت بمثل هذا الموقف وتمحورت بصورة أحادية على محاولة قلب قواعد اللعبة وتشويه الحقائق كافة في إطار خطاب منافي للعقل جعل المقاومة إرهابا وصواريخها ظاهرة «عبثية غبية» لا تستحق إلا الإدانة.
بينما يرى أن الشعب الفلسطيني مكون فقط من ثلث يعيش على أرض غزة وثلثين على أرض الضفة الغربية، شاطبا من الخارطة السكانية الفلسطينية نحو ستة ملايين يعيشون في الشتات ومليون وربع المليون يعيشون داخل ما يسمى الخط الأخضر، فضلا عن أنه يربط وقف الاعتداءات الإسرائيلية بوقف إطلاق الصواريخ الفلسطينية البدائية، وذلك حين قال: إذا توقفت هذه الصواريخ، من واجبنا نحن ومصر والدول العربية وأميركا خصوصا أن نضغط على إسرائيل من أجل أن توقف هجماتها وتنهي حصارها وتفتح المعابر».
هذا الكلام واضح لا لبس فيه صادر عن جهة واعية تماما لما تقول وترى بأم عينها ما ترتكبه آلة الحرب الإسرائيلية من مذابح بحق شعب أعزل، لكن من الواضح أيضاً أن هذا هو خيارها وهي ترى أنه لا يعيبها بشيء لأنها تدرك حقيقة موقعها وتعتقد أنه لم يعد هناك أي مسوغ للف والدوران والالتفاف على الحقائق بعد أن وصلت السكين إلى العنق ولم يعد هناك مجال للمجاملات والكلام المعسول، خصوصا داخل حركة فتح التي تشهد نقاشا حامي الوطيس حول جدوى كل هذه السنوات من المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي وضرورة العودة إلى خيار المقاومة لضمان توفير وسيلة ضغط فعالة على إسرائيل.
الشعب الفلسطيني عالق بين احتلال جائر وسلطة تحاول البقاء رغم انتفاء أسباب وجودها وأنظمة عربية تتنازعها الخلافات قابعة خلف حدود قطرية مصطنعة ومجتمعات عربية غارقة في سبات طال أمده ومجتمع غربي لا يزال يكذب عندما يقول إنه يكفر عن ذنب ارتكبه أسلافه بحق أقلية يهودية كانت تعيش بشكل طبيعي في مختلف بلدان القارة العجوز.
وإلا ما مرد كل هذا الصمت المدوي في جهات الدنيا الأربع أمام قصة قتل معلنة تجري أحداثها على مرأى ومسمع الجميع؟