إذا كانت المجتمعات تقاس بالطريقة التي تعامل بها قدامى محاربيها، فإننا نحن الذين نعيش في أميركا، أغنى دولة في العالم، وكذلك من يتولون رئاستنا ـ نحن وهم يجب أن تتم إدانتنا بسبب تجاهلنا لمن يدافع عن وطننا.
عندما عاد 15 مليوناً ممن شاركوا في الحرب العالمية الثانية إلى وطنهم، أميركا، في 1944، وقع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت مرسوماً يمنحهم مجموعة من البدلات والفوائد شملت منحاً تعليمية وبدلات بطالة وشراء منازل أو مبالغ أخرى تمكنهم من بدء أي نشاط استثماري.
أكثر من نصف من خدموا في الحرب العالمية الثانية جرى إعفاؤهم من المصاريف التعليمية في الكليات. كما أنهم تلقوا مبالغ شهرية لتغطية تكاليف المأكل والمسكن.
كان الأمر مكلفاً، غير أن الحكومة حصلت مقابل كل دولار أنفقته على هؤلاء على ما بين 5 و12 دولاراً في صورة ضرائب كانت تدفع على الدخول العالية التي كان يحصل عليها خريجو الجامعات، وذلك بحسب إحصائيات هيئة البحوث التابعة للكونغرس.
ثم حدث بعد ذلك أن حصل قدامى المحاربين في حربي كوريا وفيتنام على مكافآت أقل، حيث لم يحصلوا إلا على شيكات للتعليم الجامعي.
وبحلول عام 1985 سن الكونغرس قانوناً يحد بشكل أكبر من البدلات التعليمية وهو قانون مونتغمري جي آي. فأي جندي شاب الآن مطالب بأن يتقدم بطلب بدل جامعي عند الانضمام للجيش ويجب عليه أيضاً أن يوافق على المساهمة بمئة دولار شهرياً من راتبه أثناء أول خمسة أعوام من الخدمة العسكرية.
وفي المقابل فإنه عند الانتهاء من الخدمة العسكرية يمكنه التقدم بطلب للحصول على دعم مالي يعادل 36 شهراً من راتبه لاستكمال تعليمه الجامعي، حيث يحصل على هذا المبلغ في صورة شيكات بقيمة 1100 دولار شهرياً، غير أن قيمة الشيك في الحقيقة بعد الخصم لا تتعدى 800 دولار.
كان هذا المبلغ ضعيفاً في تلك الفترة التي مر عليها 23 عاماً، غير أنه كان يعتبر كافياً لقوات خدمت في وقت السلم. بيد أن مبلغ الـ 1100 دولار هذا يعادل الآن نصف قيمته في 1986 كما أن المصاريف الجامعية ارتفعت بمعدل أسرع من معدل زيادة أسعار التجزئة. الأهم من ذلك هو أننا لسنا في وقت سلم حالياً. فنحن في حالة حرب منذ نحو ستة أعوام الآن وقد تتواصل هذه الحالة لسنوات مقبلة.
غير أن الرئيس جورج دبليو بوش يعارض أي تحسين لهذه البدلات التافهة التي يحصل عليها الجنود الشباب. السبب؟ يقول الرئيس إنها ستكلفه كثيراً ومن الصعب التعامل معها وهدد باستخدام الفيتو ضد اقتراح السيناتور جيمس ويب الذي كان يدعو إلى حصول جنود اليوم على بدل التعليم الذي كان يحصل عليه أجدادهم في الحرب العالمية الثانية.
وتقول وزارة الدفاع إنه في حال تقديم بدل تعليم كبير للجنود، فإن عدداً كبيراً منهم قد يقرر تركه إلى نهاية فترة التجنيد ومن ثم الحصول عليه بعد ذلك، الأمر الذي قد يجعل من الصعوبة العثور على وتجنيد قوات تكفي الحروب التي نخوضها.
إن هذا الرأي المعارض لزيادة البدلات المقدمة للجنود هو ما توقعته بالضبط من رئيس لا يتعدى تأييده للجيش ما يُلتقط له من صور مع شبابنا في أي قاعدة عسكرية أو حاملة طائرات يدعي فيها تأييده وتعاطفه مع المعاناة التي يتكبدها أفراد الجيش في الخارج. غير أن الأمر في الوقت نفسه لا يمكن وصفه إلا بكونه وحشياً وينم عن لامبالاة في أبشع صورها أن نرفض منح جنودنا أي أمل في الحياة في الوقت الذي ندفعهم إلى عمليات عسكرية لا تنتهي، والسبب هو أننا نخشى أن يختاروا التعليم بدلاً من تجرع معاناة الحروب بما تنطوي عليه من معاناة وأعمال قتل وتعذيب بعيداً عن أوطانهم.
هناك ثلاثة رؤساء أميركيين سابقين وعشرة من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي من بينهم السيناتور ويب وعدد من قضاة المحكمة العليا و36 من الحائزين على جائزة نوبل وعدد من رؤساء الجامعات وملايين من قدامي الحرب الأميركي قد استفادوا من قوانين سابقة تمنح الجنود بدلات مقابل ما قاموا به من خدمات للوطن.
والجيل الجديد من المحاربين الأميركيين لا يستحقون منا ما هو أقل من ذلك. وإذا كان الفيتو الذي ينوي بوش استخدامه هو ما يريد تقديمه من شكر وعرفان للجميل لجنودنا الذين ضحوا بالكثير من أجل أميركا فإننا في هذه الحالة يمكننا إضافة سمات النفاق والخزي العار إلى القائمة السوداء الطويلة من الصفات التي اتسمت بها رئاسته.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص ل: «البيان»
