في ظل تصاعد الحملة المسيئة لرسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه مطلوب عمل إسلامي عالمي مشترك لوضع حد لهذه الاستفزازات المستمرة، وكان أولى بمنظمة المؤتمر الإسلامي التي تحمست وسارعت بتأييد ودعم استقلال كوسوفو أن تتحمس أيضا للرد على هذه الحملات التي تستهدف قلب وروح الإسلام.
ويؤسفنا هنا أن نقول إن بعض المبادرات الداعمة للإسلام تأتي أحيانا من غير المسلمين قبل أن يفكر فيها المسلمون أنفسهم، وعزاؤنا أن صوت وفعل الشعوب العربية والمسلمة بالإدانة وبالمقاطعة دائما قوي ومسموع، ونحن لا ندين بسوء سلوك بعض الدنماركيين كل الشعوب الغربية والأوروبية، لكننا نفرق بين سلوك المحترمين المتحضرين منها وسلوك المرضى المهووسين.
فحينما دعا ملك إسبانيا عددا من القادة العرب، للاحتفال بتكريم العالم العربي المسلم «ابن خلدون»، سابقا به دول المغرب والمشرق، وخاصة الدول التي ينتمي لها ابن خلدون مثل مصر التي كانت محطته الأخيرة، والجزائر التي بدأ فيها كتابة مقدمته الشهيرة، فقد دعا العاهل الإسباني رئيسي مصر والجزائر وأمين عام الجامعة العربية نيابة عن العَالم العربي لحضور هذا الاحتفال الغربي المسيحي بالعالِم الشرقي الإسلامي الكبير ابن خلدون.
كانت لفتة حضارية راقية تحترم الحضارة العربية الإسلامية من دولة تحترم نفسها، من دول الحضارة الغربية المسيحية، وتتعالى على ما تسقط فيه بعض الدوائر الغربية السياسية غير المثقفة، أو الإعلامية المتصهينة بالغرض والجهل والمرض في دول غربية أخرى لا تحترم نفسها ولا تحترم عقائد غيرها، بالإساءة إلى نبي الإسلام العربي العظيم الذي انطلقت رسالته السماوية لتنشر علمها ونورها وقيمها الإنسانية والحضارية الراقية في العالمين.
جهلا من أولئك المهووسين بجنون البقر والبشر، وتطاولا من هؤلاء العنصريين على قدر معلم البشرية الأكبر، ورسول الرحمة الإنسانية الأعظم، وجامعة العلم والنور لكل تلاميذه الأعلام، ولكل الأساتذة العظام من علماء الأمة الإسلامية الذين علموا العالم كله وفى مقدمته الغرب الأوروبي ومنهم ابن خلدون.
وكان لافتا أن يقام الاحتفال بمدينة «أشبيلية» الأندلسية التاريخية التي شهدت لقاء ابن خلدون الشهير مع ملك «قشتالة» الإسباني المسيحي ممثلا لملك «غرناطة» العربي الإسلامي في حوار من أجل الصلح وإقامة السلام، وبالتحديد في القصر الملكي التاريخي حيث أقيم معرض ومتحف ابن خلدون أحد تلاميذ نبي الإسلام العظيم، كواحد من أبرز أساتذة الشرق وأحد المساهمين العظام في حضارة الشرق والغرب.
وبقدر ما يبعث هذا التكريم على الشعور باحترام هذا الآخر الذي مازال يفسح في ذاكرته الإنسانية المساحة اللائقة للعلماء والمفكرين من أبناء أمتنا العربية والإسلامية.. بقدر ما يبعث على الشعور بالرثاء والاستياء والازدراء لذلك السلوك المريض الآخر المتسم بالعنصرية والجهل والتعصب، وشاهد الزور على أي معنى لحرية التعبير، إذ أن الحرية لا تعني التطاول «والسباب ليس وجهة نظر» طبقا للمثل الإنجليزي.
لقد كانت هذه المبادرة الإسبانية الغربية المسيحية إلى الأمة العربية والإسلامية دعوة واعية لحوار الثقافات أطلقها رئيس الوزراء الأسباني «خوسيه ثباتيرو» في إطار مبادرته الدولية المعروفة باسم «تحالف الحضارات»، والتي كانت المبادرة الثانية بعد مبادرته الشجاعة الأولى بسحب القوات الإسبانية من «تحالف تدمير الحضارات» ضد العراق الذي علم العالم الكتابة في أحد أعرق مهاد الحضارات في التاريخ الإنساني.
والواقع أنه بقدر ما نحترم ديننا ونبينا ومقدساتنا، وبقدر ما نملك من علم بحقيقة رصيدنا الحضاري العربي الإسلامي، ومن ثقافة وسياسة غير مريضة تترجم قيمنا وتعبر عن روحنا، وبقدر ما يمكن أن نتخذ من المواقف القوية ما يعبر عن احترامنا كعرب وكمسلمين لأنفسنا بأن نتوحد ولا نتفرق، وأن نناصر أشقاءنا في مواجهة أعدائنا، ولا نتحالف مع أعدائنا على أشقائنا.. بقدر ما نفرض على الآخرين في أوروبا وفى أميركا احترام ديننا وحضارتنا وإرادتنا وأوطاننا.