مرة تلو مرة، تقرع الأرقام التي يتم الإعلان عنها من فترة إلى أخرى أجراس الخطر التي نصم عنها آذاننا، رغم دوي هذه الأجراس وارتفاع وتيرة قرعها إلى الدرجة التي لا يمكن تجاهلها، ورغم أن الذين يقرعونها هم المخلصون لهذاالوطن الغيورون عليه الخائفون على مستقبله.
مناسبة هذا الحديث هي الدراسة التي أعدها سعادة أحمد بن شبيب الظاهري النائب الأول لرئيس المجلس الوطني الاتحادي، واستعرضها أمام المنتدى الخليجي للعمالة الوافدة الذي نظمته وزارة العمل مؤخرا في أبوظبي، ونُشِر عنها الأسبوع الماضي في جريدة «البيان».
الحقائق التي كشفتها الدراسة تقول إن عدد سكان الدولة بلغ في نهاية عام 2006 نحو 5 ملايين و631 ألفا و135 نسمة، يبلغ عدد المواطنين منهم 866 ألفا و779 نسمة وبنسبة مقدارها 4. 15% فيما يبلغ عدد غير المواطنين 4 ملايين و746 ألفا و356 نسمة وبنسبة 6. 84% من إجمالي عدد السكان.
أرقام جديدة تكشف عنها الدراسة، يتضح منها أن عدد سكان الإمارات قد زاد بما مجموعه مليون و526 ألفا و440 نسمة منذ آخر إحصاء رسمي تم في الدولة وأُعلِنت نتيجته التي جاء فيها أن العدد الإجمالي للسكان حسب الإسناد الزمني في ليلة السادس من ديسمبر 2005 قد بلغ 4 ملايين و104 آلاف و695 نسمة، مرتفعا بنسبة 8. 74% وبزيادة بلغت مليونا و693 ألفا و654 نسمة عن العدد الذي تم تسجيله في الإحصاء الذي كان قبله والذي جرى عام 1995 وبلغ عدد السكان فيه مليونين و411 ألفا و41 نسمة.
هذه الأرقام تقول ببساطة إن الزيادة التي طرأت على عدد سكان دولة الإمارات خلال عام واحد فقط (هو 2006) تكاد تتطابق ـ بفارق بسيط مقداره 168 ألفا و214 نسمة ـ مع الزيادة التي طرأت على عدد سكان الدولة خلال عشر سنوات (من 1995 إلى 2005) وهو أمر يدعو إلى إمعان النظر فيه ودراسته من قبل ذوي الاختصاص لمعرفة سبب هذه الطفرة التي لا يمكن أن تكون طبيعية بمقاييس النمو السكاني المتعارف عليها.
الحقيقة الثانية التي تتبع تحليل هذه الأرقام هي نسبة المواطنين التي تدنت خلال عام واحد فقط لتصل إلى 4. 15% عام 2006 بعد أن كانت حوالي 21% وفق إحصاء عام 2005 الذي بلغ عدد المواطنين فيه 824 ألفا و921 نسمة، حيث يتضح أن عدد المواطنين قد زاد 41 ألفا و858 نسمة خلال عام 2006 بينما زاد عدد الوافدين مليونا و484 ألفا و582 نسمة خلال العام نفسه!
ثم تأتي الدراسة بعد ذلك على نقطة مهمة أخرى تتعلق بسوق العمل في الدولة، فتكشف أن العمالة الوافدة من شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا تمثل نحو 75% من إجمالي عدد العمالة بالدولة، يشكل الهنود وحدهم نسبة تبلغ 5. 42% منها، بينما تبلغ نسبة العرب من غير مواطني الدولة 8. 13% والدول الأخرى 11% ويشكل المواطنون 2. 18% من إجمالي العاملين.
والأرقام هذه المرة منسوبة لهيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية «تنمية» وهي مستندة إلى الإحصاءات السكانية للدولة وبيانات وزارة الداخلية.
وتلاحظ الدراسة أن البيانات المتاحة تشير إلى أن الدول التي نستقبل منها العمالة الوافدة يفوق عددها عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة!
رقم مخيف هذا الذي تكشفه الدراسة عن جنسيات العمالة الوافدة، وتَركُّزِ 5. 42% منها في جنسية واحدة يمكن أن تشكل ـ إن لم يكن على المستوى القريب فعلى المستوى البعيد ـ تكتلا شاهدنا بوادره وآثاره في الإضرابات العمالية التي حدثت في أماكن متفرقة من الدولة خلال الفترة الأخيرة، وتَحوِّل بعضها إلى أعمال شغب كادت تتطور إلى ما هو أخطر لولا حكمة السلطات العليا وتعامل الجهات الأمنية معها بأسلوب حضاري وحنكة ودراية اكتسبتها من واقع الوسط الذي تتعامل معه والحرفية التي تتمتع بها.
هذه العمالة الآسيوية - كما تقول الدراسة - يهيمن عليها ذوو المهارات المتدنية، وتقدر نسبة المستهلكين إلى المنتجين في أوساطها بنحو واحد إلى عشرة بالمقارنة مع نحو 11 بالنسبة للعرب، وذلك لاعتبارات قد ترتبط بالعمالة ذاتها، أو عدم استيفائها للشروط التي تحددها سياسات الدولة في شأن أفراد الأسرة بغرض الإقامة.
فأين تذهب إذن أموال هذه العمالة ومدخراتها، وهل يتم صرفها داخل الدولة أم أنها تذهب على شكل تحويلات إلى الخارج؟
تقول تقديرات البنك الدولي إن دول الجنوب الآسيوي تستقبل نحو 32 مليار دولار سنويا، الجزء الأكبر منها من دول الخليج، هذه التقديرات تتحدث عن التحويلات التي تتم عبر القنوات الرسمية، أما التحويلات التي تتم عبر القنوات غير الرسمية والتي يصعب تقديرها فربما تفوق التقديرات الرسمية بنسبة كبيرة. الأمر الذي يعكس ارتباط هذه العمالة ببلدانها الأصلية وولاءها لها مهما طالت فترة إقامتها بالدولة.
هذه الحقائق التي حاولت الدراسة تبسيطها من حيث العرض مع عدم تجاهل أهميتها تدعونا إلى التعامل معها بالجدية والاهتمام اللذين تستحقهما، لأنها تتعلق بتركيبة الوطن الذي ننتمي إليه، ونسيج المجتمع الذي نعيش فيه، والذي تمثل العمالة الوافدة فيه عنصرا أساسيا لا يمكن تجاهله، شئنا ذلك أم أبينا، ليس لأنها تشكل 6. 84% من إجمالي عدد السكان فقط.
ولكن لأنها تفتقد التوازن الذي يجب أن يتحقق الحد الأدنى منه من حيث الانتماءات العرقية والأثنيات والثقافات، فكل هذه العوامل تشكل في النهاية سمات المجتمع الذي نعيش فيه، والتي يتحتم علينا أن نتعايش معها حتى يأتي الوقت الذي نستطيع فيه أن نغيرها ونعيد المعادلة إلى وضعها السليم إذا تمكنا من تصحيح أوضاعنا وتدارك أنفسنا في الوقت المناسب.
نحن لا نشك إطلاقا في أن هذه الحقائق، بل وأكثر منها، متاحة للجنة الوطنية الدائمة للتركيبة السكانية التي أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بتشكيلها العام الماضي برئاسة الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية، خاصة وأن سمو رئيس اللجنة قد أكد على أهمية الدور الوطني المناط بهذه اللجنة، وضرورة التعامل مع هذه القضية الهامة بروح مسؤولة ومنهج عملي يراعي أهمية المحافظة على الهوية الوطنية ومتطلبات التنمية والتطوير خلال المرحلة المقبلة.
يسعدنا بالطبع أن نرى تعدادنا يزداد عاما بعد عام، ولكن شريطة أن تكون هذه الزيادة طبيعية بين المواطنين، وليس بسبب عامل الهجرة التي تُقلِّص نسبتنا من إحصاء إلى آخر، فنحن لا نريد أن ننام اليوم على نسبة قليلة لنصحو غدا على نسبة أقل.
فلنفتح كل الملفات، ولنضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات مهما كانت الإغراءات، فنحن إن لم نستطع رفع هذه النسبة فلا أقل من أن نحافظ عليها كي لا يأتي يوم نجد فيه أنفسنا خارج نطاق كل النسب والأرقام التي ستفرض نفسها علينا، وتجعلنا نعضّ أصابعنا من الألم حيث لا ينفع لوم ولا ندم.
كاتب إماراتي
