على خلفية المذابح التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة على نحو يومين يعلن رئيس السلطة الفلسطينية على العالم أن الكفاح المسلح «ليس خياراً الآن». لكن الرئيس الفلسطيني لا يجد ما يقول لشعبه ماذا حقق من خلال التفاوض مع الإسرائيليين بعد أكثر من شهرين من مؤتمر أنابوليس.

برفضه خيار الكفاح المسلح يعتبر الرئيس أبو مازن نفسه قائداً حكيماً، لكن الإسرائيليين يعتبرون هذا الرفض ضوءاً فلسطينياً أخضر لمواصلة عمليات الذبح والحصار على الشعب الفلسطيني في القطاع متخذين من استمرار العملية التفاوضية مع قيادة السلطة الفلسطينية غطاء وكأنهم يقولون للعالم: انظروا إن القيادة الفلسطينية تبارك الهجمات الإسرائيلية اليومية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

الوضع في غزة بشع، ويزداد بشاعة مع مرور كل يوم، في يناير الماضي عمت أهل القطاع نشوة شاملة رغم قصر عمرها بعد أن اخترق مئات الألوف معبر رفح عابرين إلى الأراضي المصرية وعادوا محملين بأطنان من المواد والسلع الضرورية.

الآن وقد تبخرت النشوة المؤقتة عاد الوضع في القطاع إلى أسوأ ما كان عليه قبل اختراق الحدود، فقد شدد الإسرائيليون من عملية الحصار، المواد الغذائية والوقود والأدوية أصبحت في حالة ندرة والتيار الكهربائي أشد ندرة، ومياه الصرف الصحي تغمر شوارع وأزقة.

وعلى خلفية هذا البؤس تتوالى الهجمات اليومية الإسرائيلية إما على هيئة صواريخ محكمة الدقة من الجو أو توغلات برية، ويسقط الضحايا من كل الأعمار بما في ذلك الأطفال بمعدل عشرة إلى عشرين في الأسبوع.

الذريعة الإسرائيلية هي بالطبع أن المقصود هو تأديب «حماس» باعتبار أنها رأس الحربة في نهج الكفاح المسلح الذي يبغضه الرئيس أبو مازن. ولكن هل معنى هذا أن أهل الضفة الغربية ـ معقل رئاسة السلطة الفلسطينية أصبحوا آمنين؟.

قد تكون الهجمات والتوغلات الإسرائيلية في مدن وأنحاء الضفة أقل حدة نسبياً. لكن الهدوء النسبي الظاهري يخفي ما هو أدهى وأمر. فإسرائيل باتت منهكة في عمليات خطيرة لضم المزيد تلو المزيد من الأراضي الفلسطينية إلى السيادة الإسرائيلية نهائياً مستثمرة الموقف السلبي للسلطة الفلسطينية والغطاء التفاوضي.

تقول المصادر الغربية إن الأراضي الفلسطينية التي استولت عليها السلطات الإسرائيلية حتى الآن بلغت نسبة 40 في المئة من مساحة الضفة بعد أن استكملت إسرائيل بناء شبكة من الطرق الالتفافية تجعل السكان الفلسطينيين موزعين على مساحات معزولة عن بعضها البعض. في معارضة لمبدأ الكفاح المسلح يقول الرئيس أبو مازن إن الشعب الفلسطيني غير قادر الآن على ممارسة هذا الخيار عملياً. ويضيف أنه في «مراحل قادمة» قد تتغير الأمور.

ولنتساءل: أي مراحل قادمة وقد صار ما يقارب نصف مساحة الضفة الغربية تابعاً عملياً للسيادة الإسرائيلية؟

وإذا كان السؤال الآني هو ماذا حققت المفاوضات للشعب الفلسطيني بعد أكثر من شهرين من مؤتمر أنابوليس الدولي فان السؤال الأصلي هو: ماذا حقق التفاوض بعد 15 سنة من توقيع اتفاق أوسلو؟ والإجابة التي نراها ماثلة على الأرض هي أن الوضع قبل أوسلو كان أفضل.. أو بالأحرى أقل سوءاً.. للأسف.