أن تهدد إسرائيل وتتوعد بإحراق و«شوي» أهل غزة وتنفذ كلامها؛ فهو على بربريته وهمجيته الدموية، يبقى منتجاً إسرائيلياً بامتياز. ماعون عنصريتها ، مخزونه من هذه البضاعة، لا ينضب. صحيح أن مجزرة القطاع، المتواصلة منذ أيام، قد سجّلت رقماً قياسياً في ما حصدته من ضحايا، أكثر من ستين قتيلاً ومئة وخمسين جريحاً؛ والحبل على الجرار، لكنها ليست الأولى. كما ليست من خارج طباعها، أو حقدها التاريخي على الشعب الفلسطيني.

لكن العجب العجاب، أن يتم تفشيل مجلس الأمن الدولي ومنعه من الخروج بقرار يدين الشروع ب«محرقة» ضدّ شعب وتجمعاته المدنية. على الأقل إدانة بالتعبير أو مجرد استخدام لهذه الكلمة. في الغرب عموماً والولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص زعموا أنه لن يكون هناك تهاون، بعد الحقبة النازية، حتى مع التلويح بهولوكست آخر. ناهيك عن التهديد به. أو بتكرار تلك التجربة السوداء؛ ولا ما يقترب منها.

واشنطن ربطت مساعداتها الخارجية، بموقف الدول المستفيدة من المحرقة النازية. اليوم، ها هي إسرائيل تتحدث صراحة بهذه اللغة وتباشر في تجسيدها. تقوم بهجمات صاروخية وجوية، تستهدف منازل المخيمات وليس مواقع أو مراكز عسكرية. يسقط من بين الضحايا نساء وأطفال في غرف نومهم. لا يتوقف القصف، بل يتواصل بوتيرة أعلى وبقوة نارية أشدّ، مع التوعد بالمزيد. تتزايد الأرقام وتتكشف الحصيلة، من دون أن يرف لإسرائيل جفن.

فما صدر عن مسؤولين إسرائيليين، أقرب إلى التشفّي. حتى عبارة أسف لم يكن لها مكان في ردودهم. الوزير باراك اكتفى بالقول، الباهت والذي يقطّر نفاقاً، إن إسرائيل «ليست سعيدة بسقوط ضحايا مدنيين». وكأنه في مجلس عزاء، لا علاقة مباشرة له بهذا السقوط. ولكي يكون واضحاً أكثر، بخصوص حقيقة نواياه، أضاف بأن قواته ستواصل عمليتها، مع الاستعداد للتصعيد.

بالرغم من كل هذا الفجور العدواني الدموي، لم تر واشنطن ما يدعو لإدانة إسرائيل. حالت دون تمرير مشروع قرار عربي، في مجلس الأمن؛ يقضي بإدانة المحرقة وبضرورة وقف العدوان على غزة. الذريعة، كالعادة: أن القرار «غير متوازن». شارك أوروبيون واشنطن، موقفها. وكأن «المحرقة» ممنوعة فقط خارج الشرق الأوسط.

وطبعاً في إسرائيل. كل ما كان لدى المندوب الأميركي في الأمم المتحدة، أنه تكرّم وأبدى «أسفه» لسقوط ضحايا بين المدنيين؛ مسارعاً إلى موازاة الضحايا الفلسطينيين بالإسرائيليين منهم. لا فرق بالأساليب ولا بالحجم. مع تجاهل كلي لعبارة «محرقة» التي تلفّظ بها الإسرائيليون. يمكن للمرء أن يتصور كيف كان يمكن أن يأتي الرد، لو كانت هذه العبارة قد صدرت عن فلسطيني أو عربي. كما تجاهلوا حتى الإفراط، غير المتناسب، في استخدام إسرائيل للقوة؛ الذي أدانه الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون.

نسف مشروع القرار العربي، في مجلس الأمن، ضدّ ما سمّته إسرائيل بـ «المحرقة»، لطخة سوداء. ليس فقط في سجلّ مجلس الأمن الدولي؛ بل أيضاً في سجل الذين تهاونوا مع هذه الهمجية الإسرائيلية وسمحوا بحمايتها من الإدانة.