يرفض الأميركيون تحديد جدول زمني للانسحاب من العراق، ويتمسك الأتراك ببقاء قواتهم في شمال ارض الرافدين «الوقت اللازم» لتعقب عناصر حزب العمال الكردستاني. . هكذا يجد العراق نفسه بين احتلالين، احدهما قارب على الست سنوات، وآخر بدأ ويرفض أصحابه الالتزام بموعد محدد للمغادرة، بعد ان اجتاحوا الأراضي العراقية، «بتفهم» أميركي، لانتهاك «سيادة» بلد يعاني بالأصل ضياع «السيادة» منذ الغزو الأميركي.

ربما ترى انقرة ان من حقها تعقب عناصر منظمة «إرهابية» لأكرادها المتمردين، لكن هل من حقها التوغل واستباحة دولة جارة ، لاتزال تعاني تأثيرات احتلال آخر؟

الأميركيون الذين أعطوا أنفسهم الحق من قبل لغزو العراق، ربما يجدون أنفسهم، في مأزق اذا ما طالبوا بانسحاب تركيا بشكل جدي من شمال العراق، كونهم يحتلون باقي الأراضي العراقية، وبالتالي يغضون الطرف عن توغل القوات التركية لأكثر من 30 كيلو مترا في أراضي كردستان العراق، وكان منطقيا ألا يجد وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس آذانا صاغية لطلب بلاده انسحاب تركيا وإنهاء عملياتها العسكرية بشكل سريع.

وكما دفع العراقيون في اغلب المحافظات العراقية ثمن الغزو الأميركي من قتل وتهجير، ها هم أكراد العراق في القرى الحدودية يدفعون الثمن ذاته، بعد ان اضطرتهم العمليات العسكرية التركية إلى هجر ديارهم ومراعيهم، والهجرة إلى الداخل فرارا من الموت رغم التأكيدات التركية ان العملية لا تستهدف سوى قواعد المتمردين الأكراد.

وبين تفهم واشنطن وإصرار أنقرة على إنجاز المهمة على الطريقة الأميركية غير المحدودة بزمن، ينظر العراقيون إلى أراضيهم التي تتناهشها المصالح والأهداف المتضاربة لقوى تستغل مرحلة تاريخية مواتية لأقصى حد ممكن، فالأيام متقلبة والظروف عرضة للتغيير غير المتوقع.

والغريب ان العراق ربما يجد نفسه وحيدا أمام عواصف الاجتياحات المتوالية، من هذه القوى او تلك، بعد ان بات ساحة مفتوحة لأجندات متعددة، بالضرورة ليست في صالحه، وسيدفع العراقيون أثمانا باهظة على مستويات عدة، في الأجلين المنظور والبعيد.

عبرت الحكومة العراقية عن رفضها للاجتياح التركي بلا شك، واستنكرت تجاهل سيادة بلدها، وتشدد القادة الاكراد وطالب برلمان كردستان بوقف الاجتياح التركي، وسط مخاوف من وقوع صدام بين القوات التركية وعناصر البشمركة الكردية العراقية، قد تتوسع معه العمليات العسكرية، ويجد الأتراك أنفسهم عالقين في حرب، او مستنقع لا يرغبون الوقوع في اوحاله، غير ان الجنود الاتراك مازالوا يتوغلون يوما وراء الآخر في الأراضي العراقية بطريقة مقلقة.

المخاوف من اتساع رقعة العمليات التركية، لا تقتصر بالقطع على الجانب العراقي، خاصة ان رقعة انتشار عناصر حزب العمال الكردستاني، تتجاوز نطاق اقليم كردستان، وربما يفرون إلى دول مجاورة تجد نفسها طرفا في الأزمة شاءت ام ابت، وبما يهدد المنطقة برمتها بمزيد من عدم الاستقرار، الذي تعانيه منذ سنوات طوال، لكن هذه المرة يخشى ان يتخذ أشكالا أكثر حدة واكبر تشنجا، في ضوء ان الورقة الكردية في النهاية عابرة للحدود، وتشكل قلقا لأكثر من دولة.

والمطلوب من الأميركيين بوصفهم القوة المحتلة للعراق، والتي تربطها مصالح واسعة مع تركيا، ان تكون أكثر حزما في التعامل مع الاجتياح التركي، وألا تخلق واشنطن الانطباع الكاذب، بأنها تطلب من انقرة رحيل قواتها، لكن الأخيرة لا تستجيب، فيما الأمور تمضي برضا الطرفين، وحتى العمليات العسكرية التركية تتم بدعم استخباراتي أميركي.

العراق ليس في حاجة إلى المزيد من القوات الغازية، ايا كانت المبررات، كما ان الصمت العربي عما يدور يدعو إلى التساؤل. أليست الأرض المستباحة عربية، واذا كان العرب يودون شراكة مع الاكراد على الاقل في ارض الرافدين، ألا يملي ذلك عليهم اعلان موقف اكثر وضوحا من الاجتياح التركي، يتخطى حدود البيانات التي تخرج عن إدارات من الدرجة الثانية، ولا ترقى إلى المستوى المطلوب؟