«بينما يتوضأ الأعداء بدمائنا نرفض أن نصلي صلاة الجماعة». بهذه الترجمة العربية لبيت الشعر الفارسي الإسلامي القديم، اختزل الكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل ببراعة صورة الموقف العربي والإسلامي الجديد، في سلسلة أحاديثه الأسبوعية الكاشفة على قناة الجزيرة القطرية، عن حقائق وضرورات بناء الأمن القومي العربي مستندا على الأمن الوطني ومرتبطا بالأمن الإقليمي.
فبينما تلطخ قوات الصهاينة في «غزة هاشم» المحاصرة غربيا وعربيا، بل في الضفة الغربية بدماء أطفالنا ونسائنا وشيوخنا في مشاهد مجازر يومية إجرامية وإرهابية كبيرة تنبئ عن الخسة والنذالة والجبن على الهواء مباشرة بالصوت والصورة، يكتفي العالم الغربي الرسمي بالفرجة على المشهد الفلسطيني الدموي المأساوي اللاإنساني ببلادة حس نادرة وغياب ضمير إنساني، وببعض الشماتة حول تمثال الحرية في أميركا على مذبحة الحرية، وببعض مصمصة الشفاه والقلق الخجول باسم حقوق الإنسان في أوروبا..
فيما لا يتفرج معهم العالم العربي والعالم الإسلامي الرسمي على ما يجري لشعوبه فقط، بل إنه فيما يبدو قرر ألا يحمل من هموم الشعب أكثر مما يتحمل من همومه هو، وألا ينشغل بمسؤولياته الكبيرة في صد العدوان الصهيوأميركي على أكثر من شعب عربي، وفى دعم التكامل العربي العربي والتضامن العربي الإسلامي كأسوار حماية للأمن القومي العربي المستباح في فلسطين وفي العراق وفي الصومال، وللأمن الإقليمي المستباح في أفغانستان والمهدد من حول إيران والبقية تأتي.
مفضلا أن يتفرغ فقط للمعارك الصغيرة وللخصومات وللمشاجرات والخلافات والانقسامات بما يهدم آخر الأسوار الدفاعية فيتساقط الجميع واحدا تلو الآخر.. يحدث هذا بالرغم مما يحفظه العرب المسلمون من آيات القرآن الكريم التي تأمرهم بالتوحيد والاتحاد، ومن أحاديث النبي العربي الكريم التي تحثهم على صلاة الجماعة، ورغم أن الشعر هو ديوان العرب في الخليج والجزيرة العربية وفي صدارة الثقافة العربية، وبيت الشعر العربي الإسلامي يقول لهم «تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا وإذا افترقن تكسرت آحاد».
بينما بيت الشعر الباكستاني يقول لهم «وبالتوحيد للهمم اتحاد فلن تبنوا العلا متفرقينا»، مستخدمين أكثر من بيت شعر عربي للتفوق على بيت الشعر الفارسي والباكستاني في حملاتهم الإعلامية ضد بعضهم البعض الداعية إلى الصلاة متفرقين اعتمادا على الفتاوى والدعاوى الأميركية والصهيونية!
ويكاد يتكرر هذا بالرغم من درس المثل التاريخي المأساوي العربي والإسلامي من تجربة «ملوك الطوائف» قبل سقوط الأندلس، سواء بخلافاتهم السياسية، وانقساماتهم القبلية والمذهبية، وتحالفات بعضهم العلنية أو السرية مع أعدائهم الفرنجة ضد أشقائهم من العرب أو من المسلمين، أو في محاولة للنجاة بأنفسهم من الزحف الأجنبي المعادي على حساب شقيقهم، ولم يتحالفوا مع بعضهم لصد عدوهم المشترك، فكانت النتيجة الطبيعية لذلك هي سقوط كل الممالك العربية والإسلامية في الأندلس كلها واحدة تلو الأخرى.
أقول ذلك بينما يستعد وزراء الخارجة العرب للاجتماع في القاهرة لبحث إنهاء الأزمة الرئاسية اللبنانية وتوجيه رسالة ما إلى السياسة السورية والإيرانية، وليس العمل على وقف المأساة الفلسطينية واتخاذ موقف ما في مواجهة الاعتداءات الإجرامية الإسرائيلية والأميركية اللتين هما الأولى باتخاذ المواقف وتوجيه الرسائل العربية لهم، خصوصا وهما ترفضان قرارات القمة العربية في بيروت والمبادرة العربية بشأن السلام في فلسطين، وقرارات وزراء الخارجية العرب بالمبادرة العربية بشأن الوحدة الوطنية في لبنان.
الربط بين حل الأزمة اللبنانية وعقد أو حضور المؤتمر الدوري للقمة العربية في دمشق يبدو أمرا غير مقنع وأيضاً غير مطلوب، خصوصا أن الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى أكد في دمشق وكرر في القاهرة ألا ربط بين المسألتين، وأن الحرص على تطبيق ميثاق الجامعة بدورية عقد القمة، والعمل المشترك على إنجاحها هو واجب الجميع، وعلى الأخص أن قمة دمشق ليست قمة لدمشق بقدر ما هي قمة للعرب في دمشق. أيها العرب.. الأفضل أن تصلوا صلاة الجماعة.