دخلت دولة الإمارات منذ ما يزيد على العام مشوار التطوير السياسي بإدخال ممارسة المشاركة السياسية الشعبية المحدودة من خلال انتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني الحالي الذين يخوضون دستورياً سنتهم الأخيرة كأعضاء في المجلس الوطني.

جاءت تلك الخطوة بعد خطاب صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان حفظه الله، الذي أعلن فيه رغبة القيادة في إدخال الإمارات مجال المشاركة السياسية من باب تطوير المجلس الوطني ليصبح مجلساً أكثر فاعلية من حيث طريقة اختيار أعضائه ومن حيث تفعيل صلاحياته ليكون مجلساً ذا صلاحيات تشريعية. وكدليل على عزم القيادة المضي نحو تحقيق هذا الهدف أنشأت وزارة خاصة لتعتني بتجربة تطوير المجلس سميت بوزارة الدولة لشؤون المجلس الوطني.

هذا التحرك كان له صداه في مجتمع الإمارات حيث باركه الكثير من المتفائلين فيما لم يتحمس المتشائمون. المتفائلون وجدوا في تلك الخطوات تقدماً إيجابياً وخطوات يمكن العمل عليها لإحداث التطوير السياسي. الدولة في وجهة نظر المتفائلين بحاجة إلى السير بفلسفة التدرج والخطوة خطوة باعتبار أن دولة الإمارات ومن خلال عمرها الزمني القصير وفقاً لسجل أعمار الدول لم تمر بتجربة شبيهة في السابق، أي أن الدولة تدخل مرحلة جديدة وهي بذلك بحاجة إلى التأني كي لا تحدث مفاجآت تعكر صفو الرغبة القائمة نحو إحداث التطوير السياسي على مستوى المجلس الوطني.

فالمتفائلون على قناعة بضرورة السير ببطء ولو تتطلب الأمر السير فترات طويلة من الزمن. أما المتشائمون وإن كانوا مرحبين بفكرة تفعيل المجلس الوطني إلا أنهم أبدوا تحفظهم على الطريقة التي اتبعت في سبيل ذلك؛ فالهيئات الانتخابية وفلسفة التدرج بالخطوة خطوة التي تم انتهاجها لم يتحمس لها كثيراً المتشائمون باعتبارها خطوات لن تغير حسب رأيهم من الواقع شيئا.

المتشائمون يرون بأن السبيل في تفعيل المجلس الوطني ليس بالتدرج بل بشكل فوري من خلال إعطاء المواطن المشاركة الفعلية والكاملة في عضوية المجلس وتطوير سلطات المجلس كي تصبح سلطات تشريعية وليست استشارية كما هو عليه الحال اليوم.

بين المتفائلين والمتشائمين تدور العديد من المناظرات الفكرية على جميع الأصعدة، فالمتفائلون يتمسكون بتفاؤلهم والمتشائمون لم يتراجعوا قيد أنمله عن وجهة نظرهم تلك. اليوم يرى المتشائمون أن ميزان الجدل الدائر حول مدى نجاح التجربة الإماراتية في تطوير المجلس الوطني يميل لوجهة نظرهم معتمدين على ثلاثة تبريرات أساسية.

أول هذه التبريرات قائمة على تأكيدهم بأن الخطوة التالية في تجربة التطوير لم تأتي بعد وأننا ما زلنا في الخطوة الأولى، مؤكدين على أن الشعارات التي تضمنتها حملات المرشحين في الانتخابات لعضوية المجلس الوطني شملت شعار العمل على تطوير المجلس الوطني، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث وفقاً لرأي المتشائمين. أعضاء المجلس الوطني أصبحوا اليوم أكثر انشغالاً بقضايا أخرى لا تعتبر رئيسية في مشوار عملهم في عضوية المجلس كما يراها المتشائمون نظراً لأن المجلس لا صلاحيات له في التأثير عليها وعلى مجرياتها.

التبرير الثاني الذي جعل المتشائمين يرون بأن كفة الجدل قد مالت إلي وجهة نظرهم هو إلغاء وزارة الدولة لشؤون المجلس الوطني حيث لم تشمل هذه الوزارة الجديدة التي تم تأسيسها في التشكيل الوزاري السابق التشكيل الوزاري الحالي الذي اعتمد في الشهر الفائت.

لقد أنيط بالوزارة عندما شكلت في التشكيل الوزاري السابق في عام 2006 العمل على تطوير المشاركة الشعبية في دولة الإمارات من خلال تطوير المجلس الوطني والإشراف على سير المجلس. لكن تغييب الوزارة بعد مرور عامين بالضبط على تأسيسها يعطي مؤشراً على تراجع الاهتمام بتفعيل المجلس الوطني وفقاً لرأي المتشائمين حيث لم تعد هناك جهة يمكن النظر إليها على أنها تتولى مهمة العمل على وضع الرؤى لتطوير المجلس بشكل مؤسسي.

أما تبرير المتشائمين الثالث فيقوم على عدم وجود قانون للانتخابات في الإمارات إلى يومنا هذا؛ فالمتشائمون يقولون بأنه إذا كانت الرغبة قائمة في تفعيل المجلس الوطني فلابد من وجود قانون للانتخابات يمهد للانتخابات القادمة التي من المفترض أن تشهدها البلاد في الجزء الثاني من هذه السنة باعتبار أن الفترة الزمنية الدستورية المحددة لأعضاء المجلس تنتهي مع نهاية دورتهم الحالية. المتشائمون يقولون بأن غياب مثل هذا القانون هو مؤشر على أن الدولة قد لا تشهد انتخابات جديدة.

المبررات التي يوردها المتشائمون هي معطيات يراها أصحاب ذلك التيار في حين أن المتفائلين لا يرون تلك التبريرات بأنها سليمة ويؤكدون على ضرورة السير بنهج التدرج والخطوة خطوة معتبرين أن التطوير قادم ولكن لابد أن يسير ببطء. بين المتفائلين والمتشائمين يقف المتشائلون وهم تيار لا يغفل عناصر معطيات المتشائمين لكنه يؤمن بعناصر المتفائلين. المتشائلون هم أولئك الذين يرون أن المبررات التي قدمها المتشائمون هي مبررات في محلها وتفسر إلى حد بعيد واقع موجود، لكن المتشائلين لا يقفون عند تشاؤم المتشائمين بل يرون الأمور بعين التفاؤل بأن التطوير قادم وإن كان يسير بخطى بطيئة.

المتشائلون يرون بأن التطوير السياسي للمجلس الوطني لا بد وأن يأخذ بعين الاعتبار مبررات المتشائمين ولكنهم يعتقدون أيضاً بأن هذه التجربة لا بد وأن تسير بشكل يساعدها على النضوج وإن تطلب ذلك مزيداً من الوقت. فالمتشائلون يرون ضرورة في إيجاد قانون للانتخابات يجسد روح المرحلة المقبلة ويؤسس لمرحلة ما بعد المجلس الحالي.

كما أن المتشائلين يرون بضرورة قيام أعضاء المجلس الوطني بمهمتهم الرئيسية والمتمثلة في وضع خطط لتطوير المجلس الوطني لتعرض على القيادة العليا للنظر فيها، وهي عملية حسب وجهة نظر المتشائلين ليست بسهلة أو قصيرة وإنما تتطلب الوقت الكافي من أجل الوصول إلى نموذج يمكن أن يكون الأمثل لتطبيقه في دولة الإمارات. المتشائلون أصحاب قناعة بضرورة تطوير المجلس الوطني ولكنهم أيضاً أصحاب إدراك بأن هذه العملية بحاجة إلى وقت وجهد من جميع الجهات وعلى رأسها مجلس الوزراء والمجلس الوطني اللذان بإمكانهما تقديم توصيات لمشاريع تتم في إطار تطوير المجلس الوطني.

المتشائلون يؤمنون بضرورة وضع الخطط الإستراتيجية من أجل تفعيل المجلس الوطني على أن تشمل تلك الخطط جدولا زمنيا لتطبيق تلك الخطط الرامية لتفعيل المجلس ولا تترك من دون تحديد. فالمتشائلون يتعاملون مع وضع المجلس الوطني كما هو عليه اليوم ويحاولون الانطلاق من الأسس القائمة من أجل النهوض وتفعيل المجلس ويحاولون البناء على ما تم إنجازه بالفعل.

فإذا كان المتفائلون ينتابهم روح التفاؤل وكان المتشائمون تسيطر عليهم روح التشاؤم فإن المتشائلين لا يتركون التشاؤم يسيطر عليهم إلى درجة أن ينسيهم التفاؤل، بل هم يأخذون أراء المتشائمين ولكنهم متفائلون بقيادتهم وقدرتها على السير نحو إحداث التطوير من خلال الدعوة إلى ضرورة البدء بعمل مشترك بين الهيئات المسؤولة لوضع التصورات لتفعيل المشاركة السياسية في دولة الإمارات من خلال الوضع القائم حالياً والبناء على ما تم التأسيس له منذ انطلاق مسيرة التفعيل قبل نحو عامين.

قسم السياسة - جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com