فرضت الوقائع الديمغرافية للانتشار اليهودي في العالم وداخل إسرائيل نفسها على جدول أعمال صناع القرار في إسرائيل، ولدى أوساط الوكالة اليهودية المعنية صهيونياً بمتابعة قضايا اليهود في العالم، وقضايا الهجرة الاستيطانية التهويدية إلى أرض فلسطين التاريخية، باعتبارها عنواناً رئيسياً بات يقض مضاجع الحركة الصهيونية بعد سلسلة من التحولات التي باتت تهدد مستقبل العلاقة بين إسرائيل وباقي يهود العالم في سياق الفتور المتحرك المتوالد بفعل العديد من العوامل التي بدأت تفرض نفسها على أرض الواقع.
فوفق معطيات «معهد تخطيط سياسة الشعب اليهودي في تل أبيب» والتي نشرت قبل أيام على صفحات الصحف الإسرائيلية، ففي الـ (27) سنة الأخيرة انخفض عدد اليهود في العالم بحدود (3. 2) مليون نسمة، وهو يبلغ الآن (76. 7) ملايين نسمة، باستثناء يهود إسرائيل، وعندها فإن المجموع الكلي لليهود في العالم يبلغ (1. 13) مليون يهودي.
ومن الطبيعي القول إن من أسباب انخفاض عدد اليهود خارج إسرائيل، وبشكل رئيسي يهود دول الاتحاد السوفييتي سابقا وشرقي أوروبا، يعود للهجرة الخارجية نحو إلى فلسطين المحتلة، حيث هاجر مليون يهودي خلال عقد التسعينات من القرن الماضي، بينما بقي هناك نحو (450) ألف يهودي فقط، منهم (221) ألفا في روسيا، و (79) ألفا في أوكرانيا. بينما انخفضت أعدادهم بنحو (24%) في جنوب القارة الأميركية، حيث تبقى (393) ألف يهودياً، منهم (184) ألف يهودي يسكنون في الأرجنتين، و (96) ألفا في البرازيل، وفي المكسيك يوجد (40) ألف يهودي.
وفي شمالي إفريقيا طرأ انخفاض كبير في عدد اليهود، ليصبح بحدود خمسة آلاف يهودي فقط مقابل (83) ألفا في العام 1970. في جنوب إفريقيا فقد بقي من أصل (124) ألف يهودي في العام (1970) ما مجموعه (72) ألف يهودي فقط. وفي دول آسيا أيضا سجل انخفاض كبير، فمن أصل (100) ألف يهودي كانوا يعيشون في القارة الآسيوية عام (1970) لم يتبقَ منهم سوى (20) ألف نسمة فقط، أغلبيتهم الساحقة في إيران.
أما في الولايات المتحدة الأميركية، فقد بقي عدد اليهود ثابتاً بشكل تقريبي، كذلك في دول أوروبا الغربية حيث يتواجد في المنطقتين ما يقارب (6. 5) منهم نحو (490) ألفا في فرنسا، و(295) ألفا في بريطانيا ونحو (120) ألفا في ألمانيا.
أما في استراليا ونيوزيلندا فقط طرأ ارتفاع في عدد اليهود حيث بلغ وفق إحصاءات الوكالة اليهودية المنشورة مؤخراً نحو (111) ألفا مقابل (70) ألفا في العام (1970). ومقابل الانخفاض في عدد اليهود الذين يعيشون في العالم، تضاعف عدد السكان اليهود في إسرائيل منذ العام 1970، التي باتت تضم نحو (40%) من إجمالي السكان اليهود في العالم. وحسب رئيس الوكالة اليهودية، زئيف بايلسكي.
وبالطبع فإن أحد أسباب انخفاض عدد يهود في العالم يعود للهجرة التوسعية الاستيطانية إلى فلسطين المحتلة، ولكن هناك أسباباً قطعية جديدة بدأت تتحدد بالنسبة ليهود أوربا والولايات المتحدة الذين لم يعودوا يرون بأن إسرائيل نقطة اجتذاب لهم، كذلك باقي يهود العالم، حيث برز على السطح وبقوة عامل (التمثل والاندماج)، فقد بلغ معدل التمثل في الولايات المتحدة نحو (50%)، وفي غربي أوروبا نحو (45%).
ازدياد ميل اليهود للاندماج في مجتمعاتهم الأصلية وفي المحيط الذي يعيشون فيه. ومن هنا فإن (50%) من يهود الولايات المتحدة متزوجون زواجا مختلطاً، كما تشير المعطيات بأن (50%) من الشباب اليهودي في الولايات المتحدة لا يهمهم مصير إسرائيل، بينما نجد أن نسبة (20%) فقط من يهود دول الاتحاد السوفييتي السابق يحافظون على المضامين اليهودية، كما يشير الاستطلاع إلى أن نصف يهود الولايات المتحدة اندمجوا وباتوا يوجدون في مراحل متقدمة من الاندماج.
ولا سيما في ضوء الميل الشديد للزواج المختلط تراجع الشعور بالانتماء والأهمية بالنسبة «لإسرائيل» خصوصاً لدى الأجيال الشابة الأمر الذي اعتبره البعض مؤشراً على اضمحلال الجمهور اليهودي المؤيد والداعم لإسرائيل في الولايات المتحدة الأميركية.
ومؤشراً على نجاح الاندماج والتماثل اليهودي في المجتمع الأميركي الذي زادت نسبة الزواج المختلط فيه بين اليهود والديانات الأخرى إلى أكثر من (50%) الأمر الذي يفسر تراجع مستوى الشعور بالانتماء، بما يعنيه من تراجع نسبة التأييد والدعم لدولة إسرائيل ورؤية أهمية وجودها وبقائها، فقد تبددت قوة جذب إسرائيل معظم الهجرات اليهودية تمت بفعل سيل الدعاوى الصهيونية وتجاوب معها قطاعات من يهود العالم بسبب تكرار الدوافع التي رفعتها الحركة الصهيونية (اضطهادات، مظاهر اللاسامية، الوضع الاقتصادي الصعب، قوة جذب اقتصادية إلى فلسطين).
كاتب فلسطيني ـ دمشق