تبدو المنطقة وكأنها باتت مزنّرة بحزمة صواعق على وشك الانفجار. لم يسبق لها من قبل أن كانت مهددة بحروب واختلالات متزامنة، كما هي الآن. وكلها من العيار المزلزل. الأزمات المحتدمة، وصلت إلى تخوم فاصلة. أطرافها الداخلية، تندفع من غير كوابح، نحو صيغ الحسم وتصفية الحسابات،فيما بينها. أطرافها الخارجية، رفعت من وتيرة هجمتها؛

وتعطي الإشارات المتلاحقة والقوية، بأنها عازمة، هي الأخرى، على شيء من مواجهة كسر العظم؛ كما على العبث بأوضاع المنطقة وتأجيج صراعاتها. وبين مطرقة الخارج وسندان الداخل، يسود الارتباك وحبس الأنفاس مع إصرار غريب على الاستمرار في نهج نهش الذات؛ في حين أن اللحظة تفرض تحقيق قدر من اللملمة اللازمة لتوفير ولو حدّ أدنى من التماسك المطلوب؛ لتقليل الخسائر، على الأقل.

إسرائيل، التي تواصل مجزرتها الغزاوية منذ أيام؛ تحشد قواتها حول القطاع، استعداداً لعملية اجتياح واسعة؛ تهدد قيادات صهيونية بأنها باتت وشيكة. نائب وزير الدفاع الإسرائيلي ماتان فيلنائي، يتوعد «بشوي» أهالي غزة، وإذاقتهم طعم «المحرقة».الذئاب الإسرائيلية كشّرت عن أنيابها. ما عادت تكتفي بوجبات القتل بالجملة في الأيام الأخيرة، ضدّ الفلسطينيين، كباراً وصغاراً وأطفالاً بينهم أكثر من رضيع.

صارت تلوّح بمحرقة، لإبادتهم. واشنطن رفعت، هي الأخرى، من منسوب تصعيدها. دفعت ببوارجها الحربية إلى قبالة السواحل الشرقية للمتوسط. أرفقت خطوتها النوعية هذه بخطاب لا تخفي لغته التهديدية. قرع ثنائي، إسرائيلي ـ أميركي، لطبول الحرب. حتى لو كان ذلك من باب استعراض القوة والتلويح بعصاها؛ فإنه يندرج، بحكم معطيات الظرف الراهن والتهاباته، في خانة التصعيد وصبّ الزيت على النار.

الأنكى من ذلك كله، أن الساحات المشتعلة والمعنية بهذا التصعيد؛ وبالتحديد الساحتان الفلسطينية واللبنانية ـ وكذلك ساحة القمة العربيةـ لا تزال تتعاطى مع التطورات وبوادر الأعاصير؛ وكأنها مستجدات من الصنف الاعتيادي. أو الذي لا ينطوي على أخطار من العيار الكبير، تهدد المنطقة برمتها.

في لبنان الأزمة تكاد تتحول إلى معضلة مستعصية. كافة نوافذها وأبوابها،تبدو أنها أصبحت موصدة. ليس ذلك فحسب، بل إن الهوّة بين خندقيها آخذة في الاتساع. عملية الردم صارت شبه عصية. التقاذف بالاتهامات وبلغة القطيعة والتباعد، هو العملة الوحيدة المتداولة.

والحال ليست بأفضل فوق الساحة الفلسطينية. العدوان الإسرائيلي يزداد شراسة ودموية، مع التهديد بالأفظع؛ فيما الشرخ بين الإخوة الألدّاء يزداد عمقاً؛ وإسرائيل تعمل على توظيفه إلى أقصى الحدود. وحتى إلى الحدّ الذي رفضت معه مبادرة مصرية للتهدئة.

فهي ليست في وارد التوقف، طالما الفرصة الذهبية متوفرة؛ وبهذه الغزارة: وضع فلسطيني مشتبك مع حاله وبات يقدّم صراعاته الداخلية على وحدته الوطنية ولو بالحدّ الأدنى، عالم صارف نظره عن انفلات إسرائيل، الوزيرة رايس لا ترى في كل ما تقوم به إسرائيل سوى دليل على التزامها بالسلام؛ ووضع عربي غارق في معاندات ومكايدات..

ناهيك عن الحسابات المغلوطة. الحصيلة هي التي نراها الآن: رياح حروب هادرة في المنطقة، لا حصانة ضدّها، سواء لمنعها أو لإحباطها، إلاّ الإسراع نحو وقف فوري للتصدّع، تأميناً لدرجة لازمة من التماسك الواقي. هدر هذا الخيار خطيئة لا تغتفر.