عرف العالم بكل شعوبه الإرهاب بمفهوم الخروج عن السوية في القتل والإيذاء الموجه للجموع منذ قرون طويلة من التاريخ. لكن ما من تنظيم إرهابي قفز إلى مرتبة القوة العظمى مثلما جرى ويجري مع تنظيم القاعدة، إلى الحد الذي بات فيه انفجار اسطوانة غاز في مدينة «بورت مورسيبي» عاصمة ميكرونيزيا في المحيط الهادي التي تحتاج لعدسة تكبير كي تراها على الخريطة ، سيستدعي تلقائيا في الذهن وفي أجزاء من الثانية تهمة لهذا التنظيم بالوقوف وراء هذا الانفجار.
لكن تعملق تنظيم القاعدة ونموه الصاروخي هذا ليس إلا وليد سنوات معدودة تبدأ منذ 2001. ولنلحظ بذاكرة صافية أن نمو تنظيم القاعدة الصاروخي وارتباط اسمه ارتباطا شرطيا بالإرهاب، ارتبط أيضاً بالحرب المعلنة عليه، أي الحرب العالمية على الإرهاب التي أطلقتها الولايات المتحدة.
هكذا، ومن بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001، أصبح التنظيم يضرب في كل مكان فيما الحرب العالمية ضد الإرهاب مستمرة ولم تعد أي مدينة في العالم بمأمن عن ضربات القاعدة: الرياض، مدريد، الجزائر، لندن، اندونيسيا، لبنان. أما العراق فهو المختبر الحي لانعدام السوية الملتصق بهذا التنظيم: مذابح ضد المدنيين.
لقد تم تضخيم خطر تنظيم القاعدة بمبالغة تفوق الوصف والذكاء الطبيعي للناس. وتم الصاق عشرات التفجيرات بهذا التنظيم في كل قارات العالم، لكن الجهد الأكبر في هذه الحملات الدعائية كان ذلك الذي اضطلعت به أجهزة الإعلام وخصوصاً محطات التلفزة.
لقد طبق الأميركيون في هذه الحرب مبادئ وزير الدعاية النازي بول جوزيف غوبلز بحذافيرها: أنصاف حقائق وتكرار مستمر للأكاذيب لكي ترسخ في أذهان الناس. لقد تم صنع الصورة المطلوبة لتنظيم القاعدة: تنظيم مخيف ويفتقد للسوية ويضرب في أي مكان. ولكي تكتمل عناصر الإقناع في هذه الصورة، أضيف طابع آخر لهذه الحرب هي أنها شاملة.
إن تنظيم القاعدة يدير شبكات جهنمية من الأموال والتبرعات المدعومة بمصارف وبنوك وشركات وهمية، تدير ملايين الدولارات عبر العالم. أضيفت لمسة حداثة أيضا (الانترنت) لكي تجاري التفوق التكنولوجي الذي تتمتع به الولايات المتحدة والغرب عموما ولكي تصبح الحرب ضد القاعدة تملك مبررات مقبولة في أذهان الناس.
ومع اكتمال الصورة، بات لليائسين في أي مكان عنوان يطرقونه وعلامة تجارية فاعلة فتكاثرت أذرع التنظيم من قبل المتحمسين المفترضين له فظهرت فروع لتنظيم القاعدة. هكذا توالت الفروع: «بلاد الرافدين»، «المغرب العربي»، «بلاد الشام» والأخير هو المسئول المفترض عن الانتكاسة التي هزت لبنان ودفعت به إلى تأزم جديد عنوانه «حرب طائفية». إنجاز آخر على طريقة فرع بلاد الرافدين «حرب طائفية بين السنة والشيعة».
ألا يستوقفكم هذا التلازم بين الحرب العالمية على الإرهاب والنمو المذهل وغير المسبوق في التاريخ لتنظيم يفترض أنه يضم حفنة من الشبان الممتلئين يأسا وحماسة دينية؟ المطاردين من كل أجهزة الأمن والمخابرات في كل بلد؟
أحد الأسباب التي تطرح لنشاط القاعدة في العراق هي «المتطوعون العرب». لكن أحدا لم يسأل: لماذا يذهب المتطوعون العرب إلى العراق؟ ومنذ متى بدأوا يذهبون؟
هذا هو قانون الجاذبية الجديد، وفي الأيام المبكرة للاحتلال الأميركي للعراق، كانت الإجابة تتردد همسا لدى الأميركيين بأنهم يريدون جذب المتشددين وأنصار القاعدة إلى العراق لكي يسهل القضاء عليهم. لكن ما من أحد من مئات الخبراء في شئون الإرهاب في «واشنطن دي سي» ولا في مراكز الأبحاث التي تقدم المشورة للإدارة الأميركية قد امتلك نصف جواب على الأقل حول المحرك الحقيقي للإرهاب.
إنه «اليأس» و«الإذلال» و«انتقاص الكرامة» سواء تعلق الأمر بإرهاب الفوضويين في القرن التاسع عشر في أوروبا أو بإرهاب الستينات والسبعينات الذي كان الفلسطينيون طرفا فيه لفترة من الوقت أو بالإرهاب في نسخه الحديثة في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.
لا ينتحر إلا اليائسون، وعلينا أن نتساءل: ماذا يحدث إذا اجتمع اليأس والذل وإهدار الكرامة في خليط يحكم الحياة اليومية لملايين من الناس لعقود طويلة؟ ولنضف أيضا: دون بارقة أمل؟
إن هذا الخليط هو ما يحكم الحياة اليومية لملايين الفلسطينيين في الأرض المحتلة ومنذ شهور أضيف إلى الخليط عنصر آخر مثل صاعق تفجير: «التجويع».
ومثلما عمد الأميركيون في العراق إلى تطبيق سياسة «الاستدراج» للمؤيدين المفترضين لتنظيم القاعدة أو المتحمسين للجهاد على طريقة القاعدة، سار الإسرائيليون على الطريق نفسه عبر العقاب الجماعي للفلسطينيين بسبب بضعة صواريخ بدائية الصنع تطلق هنا وهناك.
إسرائيل تدير لعبة شيطانية تماما مثل الولايات المتحدة في العراق: دفع الفلسطينيين نحو اليأس. أو بعبارة أخرى دفعهم نحو الإرهاب وليس من وسيلة مثلى لتحقيق هذه الغاية سوى القضاء على أي بارقة أمل ولو صغيرة لديهم. فحصار غزة بحجة إطلاق صواريخ القسام لا يمكن أن يرتقي إلى حجم الآمال التي أطلقها مؤتمر انابوليس مثلا.
فذلك المؤتمر سبقته الشكوك وأحاطت به وتلته، أما الفضل في ذلك فهو لأولئك المجانين الذين تحفل بهم إسرائيل من أمثال بنيامين نتنياهو وموشيه ارينز الذي مازال يتنفس ويلح منذ شهور على اولمرت باجتياح غزة.
لكن ثمة سبب يتغافل عنه الكثيرون: رصيد هائل من الضغط الذي تنوء به إسرائيل نفسها لان العالم ينتظر من الإسرائيليين تقديم استحقاقات طال انتظارها: انسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة بما يهيئ لقيام دولة فلسطينية.
وبالتأكيد ترصد إسرائيل ثمار اليأس لدى الفلسطينيين وتعمل على تغذيته: تنظيمات جديدة تعلن عن نفسها، خطابات قادة تنظيم القاعدة التي تبشر بالجحيم في فلسطين.
أما الأهداف الأساسية لأي تنظيم فلسطيني جديد فسيبايع قادة القاعدة على طريقة الزرقاوي في العراق لكي تكتمل كل مستلزمات قيام الفرع الفلسطيني للقاعدة فسوف تكون: المسيحيون الفلسطينيون بدعوى الكفر وممالأة الاحتلال والصليبيين الأميركان. قادة الفصائل الفلسطينية العلمانية: فتح، الشعبية والديمقراطية بتهم الخيانة والتفاوض مع العدو الصهيوني والعمالة للأميركان أيضا دون أن نستبعد تهمة الكفر طبعا.
ظهور لافتات القاعدة ومسمياتها وعملياتها في فلسطين لن يكون سوى انقلاب تاريخي في مسار النضال الفلسطيني سيقلب الموازين بقوة وبشكل دراماتيكي يجعل إسرائيل متفوقة أخلاقيا للمرة الأولى في تاريخها وسيجعل العالم كله يلتف حولها بعواطف حارة .
سنتذكر لحظتها مفارقة لافتة: أن الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية في المنفى التي أعلنت عام 1988 وبمنظمة التحرير الفلسطينية فاق عدد الدول التي تعترف بإسرائيل في ذلك الوقت.
لقد كتبت هنا منذ فترة طويلة مقالا معنونا: متى سيظهر زرقاوي غزة؟ اعتقد أن الموعد أصبح قريباً.
كاتب بحريني