رغم مضي حوالي ثلاثة أشهر على مؤتمر أنابوليس، ورغم الوعود والتعهدات التي أطلقت فيه والآمال التي علقها البعض عليه، لايزال الوضع على الأرض كما كان، وربما أصبح أكثر سوءا من ذي قبل، ولم يبد الإسرائيليون أي نية جدية لتقديم أي إشارة على "نوايا حسنة".

فإسرائيل صعدت من عمليات القتل اليومية في الأراضي الفلسطينية، وضيقت الحصار على غزة، واستمرت في بناء وتوسيع مستوطناتها، مخالفة بذلك جميع التعهدات والوعود التي التزم بها رئيس وزرائها إيهود أولمرت في أنابوليس.

هذا التصعيد الإسرائيلي يحرج المفاوض الفلسطيني ويهدد بفقدانه لثقة الشارع الفلسطيني، خاصة أن المفاوض الإسرائيلي يحرص ليس فقط على مصافحة المفاوض الفلسطيني، بل على عناقه بحرارة أمام كاميرات الصحافة والتلفزيون لإيهام الرأي العام بأن إسرائيل مخلصة في سعيها للسلام، في الوقت الذي تستمر فيه دباباتها وطائراتها بأعمال القتل والتدمير كالمعتاد.

ولتجاوز هذا الوضع هناك مسؤوليات تترتب على الفلسطينيين بشكل خاص، ومن ثم على الدول العربية والمجتمع الدولي.

على الفلسطينيين أولا أن يجدوا وسيلة لتوحيد قواهم وكلمتهم مهما كان السبيل إلى ذلك يتطلب تنازلات وتضحيات، لأن التفاهم بين الإخوة أساس كل شيء وبدونه لن تنجح أي جهود عربية أو دولية في وضع حد لما يجري.

ولعل أهم رسالة يمكن أن توجهها وحدة الشارع الفلسطيني لإسرائيل والعالم هي أن المفاوضات ليست خيارا بل وسيلة، وكذلك المقاومة بجميع أشكالها، للوصول إلى خيار السلام الذي أعلن العرب جميعا عن تبنيه. وفي حال استمرت إسرائيل في ممارساتها، ربما من الأفضل أن يتوقف المفاوض الفلسطيني عن حضور الجلسات البروتوكولية التي لا تنتج سوى بضع صور تزيد من رصيد إسرائيل إعلاميا وتضعف موقف السلطة الفلسطينية في الداخل.

أما العرب فربما جاء الوقت ليعودوا إلى التركيز على قضيتهم الرئيسية وعدوهم الأول، وأن يتجاوزوا طموحاتهم الإقليمية التي تضيق أحيانا لتأخذ طابعا شخصيا، ويحلوا ما يستطيعون حله من خلافاتهم ويضعوا الباقي على الرف حتى وقت آخر.

وما لم يفعل الفلسطينيون والعرب ذلك، فلن يحرك المجتمع الدولي ساكنا، ولن يفتح ثغرة في جدار يعمل أهل البيت أنفسهم على المساعدة في بنائه. لقد فقد المجتمع الدولي جزءا كبيرا من مصداقيته في الشارع العربي، وربما يحاول إنقاذ ما تبقى منها إذا ما شجعته المواقف الفلسطينية والعربية على اتخاذ خطوات ضاغطة على إسرائيل لإعادة الحقوق لأصحابها.

لقد وصل الوضع في الداخل الفلسطيني إلى حد كارثي لم يعد السكوت عنه ممكنا، ولا يعرف أحد كيف يمكن أن تتطور الأمور ما لم تتضافر الجهود الفلسطينية-العربية-الدولية لوضع حد لهذه المأساة.