ما أقلقني شيء على مصير هذا الوطن، ولا أرَّقني شيءٌ على مستقبل هذا الجيل كما أقلقني وأرَّقني ردُّ معالي وزير التعليم العالي سمو الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان حينما سئل عن مستوى التعليم العالي، إذ خيل إليّ أن معاليه يحمل هموماً ثقيلة، لا يشاركه في حملها أحد، وينهض وحده بتبعات جسيمة، لا يقدر خطورتها إلاّ الذين يقدرون مكانة التعليم العالي في تطوير الأمم والنهوض بالشعوب، وهؤلاء قلة في كل عصر وفي كل مصر.

لقد شكا الشيخ نهيان من تدني مستوى التعليم العالي في الدولة، وعلل هذا التدني بخمسة أسباب: نقص الأموال المرصودة للجامعات والكليات، وانخفاض مستوى الخريجين من الثانوية، ومنافسة الجامعات والكليات الخاصة، وضآلة البحث العلمي، وبوار سوق العمل.

وأعجبُ ما في هذه الأسباب نقص الموارد المخصصة للإنفاق على التعليم العالي. فنحن نعلم علم اليقين أن موارد الدولة أوفرُ من أن تحتاج إلى وقف استثماري يُنفق ريعه على التعليم، ونعلم كذلك أن إنشاء هذا الوقف يحتاج إلى وقت حتى تُدْرَس مشاريعه وتخطط وتنفذ وتدر الأرباح، هذا إذا ربحت المشروعات، وكان ربحها كافياً للنهضة التعليمية المرجوة.

لقد سمعنا قبل فترة أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، تبرع بعشرة مليارات من الدولارات للبحث العلمي لافي الدولة وحدها، بل للبحوث العلمية في الدول العربية كلها. فلماذا لا يخصص تبرع آخر أو شطر من هذا التبرع للتعليم العالي؟

إن مستقبل الوطن كله مرهون بنهضة التعليم العالي، فهو الذي يخرج الأطباء والمهندسين والمدرسين والمحامين وخيرة المثقفين والخبراء الذين يصنعون المستقبل المرجو، ويشغلون الوظائف، ويحلون محل الخبرات الوافدة، من صغرى الوظائف إلى كبراها.

فالتعليم الثانوي لتدنيه وسطحيته وتيسير النجاح فيه أعجزُ من أن يقدم صغار الكتبة، ولهذا فلابد من رفع مستوى الخبرة والكفاءة والتحصيل لكي نوفر على أقل تقدير ما نحتاج إليه، ودوائر الدولة من موظفين يشغلون الوظائف الصغرى.

أما إذا رفعنا سقف طموحنا فإن التعليم العالي في مستواه الحالي بات عاجزاً عن تقديم الموظفين الأكفاء من ذوي الخبرة والمقدرة الاختصاصية القادرة على منافسة الكفاءة الوافدة. ولما كان المال العصب المحرك لكل مشروع؛ فلابد من أن توفر الدولة لهذا القطاع الخطير ما يحتاج إليه من مال وفير.

لقد كنا نودّ وما زلنا نودّ لو تصدُق النية، ويتوفر العزم، وتوضع الخطط للنهوض بالتعليم الثانوي، حتى تكون الثانوية كافية لتأهيل موظف يحسن القراءة والكتابة على أقل تقدير، غير أن هذا المطمح كما يبدو بات عزيز المنال.

ولهذا فنحن الآن مضطرون لأن نستجيب لما يقترح معالي وزير التعليم العالي فنتعامل مع المستويات التي يدفعها التعليم الثانوي إلى العالي تعاملاً واقعياً، لا مثالياً، والتعامل الواقعي يفرض على المسؤولين أن يوفروا للجامعات والكليات والمعاهد ما تحتاج إليه من موارد مالية، وكفاءات علمية، ومناهج متطورة، ومراكز بحوث، وألا تقتر على العاملين في هذا الميدان. لأن كل درهم ينفق فيه سيعود بأعظم الفائدة على الوطن كله.

الحلُّ عندي أن تهب النخب المثقفة الغيرى على مصلحة الوطن هبة واحدة مع سمو الشيخ نهيان، وتشاركه فيما يخطط وتناقش مشروعاته ومقترحاته، وترفع إلى صاحب السمو رئيس الدولة تقريرها المفصل الكفيل ببعث التعليم العالي من مرقده، وبث روح علمية عصرية فيه لكي يكون المحرك الأول لتطوير وطننا الغالي.