تحاول المؤسسات الرشيدة أن تطور نفسها باستمرار في تفاعل دائم وإيجابي مع حركة الواقع ومتطلباته، وفي تلبية واعية لما يعوله عليها المتعاملون معها، أو من لهم مصالح لديها.

وهذا يعني أمرين مهمين بالنسبة لهذه المؤسسات، الأول هو النمو المستمر في الهياكل الإدارية والفنية والمهام الملقاة على عاتقها. والثاني هو التكيف مع مسيرة المجتمع، التي تراكم جديدا في القيم والمفاهيم والاحتياجات والأساليب، بفعل صيرورة داخلية أو عبر التأثر بما يجري في المحيط الخارجي.

وتجد وزارات العدل العربية نفسها، كمؤسسات رسمية، في قلب هذه المتطلبات، ربما أكثر من غيرها، نظرا لأنها تعمل، في وجهها الأخير، من أجل تجذير القانون في إدارة دفة المجتمع وضبطه، والمساهمة في إيجاد مبرر شرعي لسلوك السلطة.

وكلا الأمرين يفترضان تناغما ملموسا مع الحركة الاجتماعية بتفاصيلها اليومية المعهودة.

فمن الواجب أن يكون القانون سابقا على تبلور الظواهر، فيصبح بذلك «وقاية» قبل أن يكون «علاجا»، وهو يسن ليسهر على مصالح الناس ويرعاها. في المقابل لا تعمل السلطة، مهما كانت درجة استبدادها، بعيدا عن أخذ ما يجري في الواقع بالحسبان.

وبوجه عام هناك أربعة أنماط من السياسات العامة، الأول يتعلق بالسياسة الاستخراجية (تعبئة الموارد المادية والبشرية) سواء كان مصدرها البنية الداخلية أو المجتمع الدولي. ومن أكثر السياسات الاستخراجية شيوعا الضرائب والمعونات والخدمة العسكرية.

والأخيرة تعد من أكثر مظاهر تعبئة الموارد البشرية حضورا وفاعلية. والثاني يرتبط بالسياسات التوزيعية، وتعني تخصيص الثروة والسلع والخدمات وفرص العمل أو الوظائف، وكذلك فرص التعليم للأفراد. ومن أبرز مظاهر هذه السياسات التعليم والدفاع والإسكان والصحة والرفاه الاجتماعي.

أما الثالث فيتمثل في السياسات التنظيمية، وتقضي بمراقبة سلوك الأفراد والجماعات. وهنا يمكن التحدث عن الأحوال الشخصية، وتنظيم الأنشطة الاقتصادية من حيث حركة الأجور والأسعار، وحماية المكاييل والمقاييس من اعتداء الغير، وضبط التنقل المكاني والاجتماعي للأفراد من خلال حزمة من الإجراءات والوثائق، وتحديد قواعد النشاط السياسي.

أما الرابع فهو السياسات الرمزية، التي تعني إيجاد المعاني والتصورات التي تدعم الشعور بالمواطنة المسؤولة، وتغذي الإحساس بالولاء والانتماء بما يدفع المواطنين إلى بذل كل جهد في سبيل رفعة الوطن، والتضحية بكل نفيس في الذود عنه، وحمايته مع أي خطر يهدد وجوده ومستقبله.

وتتقاطع بعض أنشطة وزارات مع أنماط هذه السياسات، إذ إنها جميعا في حاجة إلى إطار قانوني يحكم نشاطها وحركتها، ومرجعية قضائية تفصل في أي نزاع ينشب عنها في رحلة تفاعلها مع الواقع، وهنا يبرز دور هذه الوزارات.

في الوقت ذاته فإن تلك الوزارات تصبح، ومن أجل أداء هذه الدور المتداخل مع السياسات العامة، في حاجة ماسة إلى إنماء وجودها المادي والرمزي، والالتئام مع الواقع المعيشي أو التكيف معه. وهذا النمو والتكيف لا يكون في حال مؤسسة رسمية قرارا اختياريا في كل الظروف، إنما قد تفرضه تطورات تطرأ على ممارسات الحكومة بوجه عام، ترتبط بالسياق السياسي الذي تعمل فيه هذه الحكومة، والتوجهات التي تتبعها، والأهداف التي تصبو إلى تحقيقها.

من جانبها تحرص وزارات العدل، شأنها في ذلك شأن بقية الوزارات، أن تقدم هذا النمو وذلك التكيف على أنه ضرب من الإنجازات التي تحققها، وهي مسألة تحرص قيادات تلك الوزارات على تسويقها في سبيل الاحتفاظ بمواقعها، مع تعاقب الحكومات، أو من أجل تقليل مساحة الاحتقان لدى الجماهير التي تتعامل معها، وهي مسألة قد تؤثر على المدى الطويل.

وفي بعض الأحيان، في بقاء هذه القيادات من عدمه، وإن كان هذا يرتبط بدرجة ديمقراطية النظم، واعتمادها على الإنجاز سبيلا لكسب الشرعية. ويزيد من تعويل وزارات العدل على مثل هذه الإنجازات أنها متقاطعة من أنشطة حكومية أخرى من زاوية توفير الإطار التشريعي والقانوني أو المساهمة في وضعه.

وهذا الوضع وتلك المسؤولية تفرض على وزارات العدل العربية أن تنمو نموا حثيثا على مستوى الهياكل الإدارية والفنية، لتضيف إلى نفسها بعض الإدارات، التي تؤدي مهام حيوية، تفرضها المصلحة الوطنية.

وأولى هذه الإدارات يجب أن تتعلق بشؤون حقوق الإنسان، تلبية لمطالب دولية عامة تنزع إلى إعلاء هذه القيمة، والاهتمام بها، وهي مسألة كان من الصعب على النظم الحاكمة أن تتجاهلها، إذ إنها تجر غضبا، أو على الأقل تذمرا، من قبل الدول الكبرى.

وهي حتى إن لم تكن جادة، أو لا نستطيع تفسير تعاملها مع قضية حقوق الإنسان بعيدا عن مصالحها السياسية والاقتصادية البحتة، فإن الدول العربية، ولعوامل تخص ظروفها الداخلية، حيث العنف السياسي والغبن الاجتماعي الذي يصم العديد منها من الصعب عليها أن تغض طرفها عن تطور الاهتمام الدولي بملف حقوق الإنسان.

وإلى جانب حقوق الإنسان فإن هناك قضايا أخرى تستحق الالتفات إليها من قبل وزارات العدل العربية وكلها تتماشى مع متطلبات دولية، ترتب بمقتضاها على دول الجنوب أن تدخل تطويرا على بنيتها التشريعية والقانونية، ومؤسساتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ودورها الثقافي.

ومن بين هذه القوانين، قانون الطفل وقانون التجارة وقانون والتحكيم في المواد المدنية والتجارية، وقانون لجان التوفيق في المنازعات، وقانون مكافحة غسل الأموال، وقانون إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية وقانون الاتصالات، وقانون العمل، إلى جانب عدد آخر من تشريعات أحدثت تعديلات في قوانين العقوبات والإجراءات الجنائية والسلطة القضائية.

وتنظيم التوقيع الإلكتروني، بما يعطيه الحجية نفسها المقررة للتوقيعات العادية في أحكام قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية.

وكل هذا يعني أن وزارات العدل العربية بحاجة ماسة إلى النمو على مستويين الأول يتعلق بجوهر عملية العدالة، من حيث استحداث قوانين جديدة تواكب استحقاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية مختلفة، وإدخال آليات جديدة لتيسير التقاضي وبناء محاكم لسد احتياجات ملحة تخص زيادة حجم المعروض أمام القضاء من نزاعات، وتعديل الهيكل الإداري لوزارات العدل بشكل مستمر، حتى يصبح أكثر فاعلية في أداء عمله. أما الثاني فيتعلق بخدمة رجال القضاء أنفسهم.

لكن النمو الحقيقي لوزارات العدل يجب ألا يقتصر على الجوانب الكمية، سواء بزيادة عدد المحاكم أو إدخال فروع جديدة على الهياكل الإدارية للوزارات أو سن حزم متتالية من القوانين في مختلف الاتجاهات أو تعدد وسائط الترفيه والهيئات الخدمية التي تلبي بعض الاحتياجات الشخصية للقائمين على العدل القانوني، بل يمتد إلى الجوانب الكيفية التي تعني هنا ضرورة توافر العدالة فعلا، وأن تحظى مؤسساتها بثقة المواطنين، فلا يلجأون إلى وسائل غير مشروعة لانتزاع حقوقهم.

لكن حين يرشح الفساد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإداري ناهيك عن اختلال القيم التربوية على مؤسسات العدالة فإن الحديث عن نمو يبقى عملية شكلية، تسد بعض الذرائع أكثر من أن تحقق الواجبات المنوطة بالقائمين على العدالة، سواء من ناحية الإشراف والمراقبة أو التنفيذ في الواقع المعيشي، وهذه هي الآفة التي تصيب العدالة في العالم العربي، خاصة أن وزارات العدل تسعى إلى الجور على استقلال القضاء لصالح السلطة التنفيذية التي تتغول بلا هوادة.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة