استطاعت دولة الإمارات أن تتميز بين دول العالم بالإصلاحات المتوالية، وزيادة حرية الرأي والإعلام بقدر ما، وظهور القنوات الفضائية بما فيها من برامج حوارية وسجالية وخلافية تتيح للمواطن الاستماع المرأى والرأي الآخر، وقل مثل ذلك عن الكثرة النسبية للصحف اليومية مقارنة بعدد سكان الإمارات، لكن لابد من عدم الاكتفاء بهذا، ومواصلة السير قدماً على كافة المستويات من أجل إحداث تحول ديمقراطي شامل، وهو ما نأمله من خلال الجهود المشجعة التي يقوم بها أولو الأمر في بلدنا.
في هذا الإطار تأتي الوزارة الجديدة لتضيف إلى التجربة الاتحادية إضافة حقيقية على طريق التنمية وتحديث العمل السياسي والانطلاق نحو آفاق أوسع تكرس المكانة الرائدة التي تحتلها إماراتنا على الصعيدين الإقليمي والعالمي على حد تعبير ومقولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله».
ولا شك أن التشكيل الجديد يؤكد أن حكومة صاحب السمو الشيخ محمد بن ر اشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، إنما هي حكومة تنفيذ المشروعات والاستراتيجيات، حيث تم التشكيل الوزاري بطريقة تساعد على تنفيذ الاستراتيجية التي وضعها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد. وهذا ما أكده رئيس الدولة؛ حيث دعا الوزراء الجدد إلى العمل بجد وإخلاص من أجل تحويل تلك الاستراتيجية إلى خطوات عملية تحقق مزيداً من التقدم والازدهار للدولة الاتحادية، وزيادة وتحسين معدل خدمة الوطن والمواطنين.
ولذا جاءت الحكومة الاتحادية الجديدة معبرة عن تعزيز مرونة الأداء الحكومي وسرعته في التطوير والتحسين؛ حيث تم التغيير وفقاً لاستراتيجية التقييم المستمر للأداء على أسس واضحة ومعايير شفافة، ورغبة في العمل بروح الفريق الواحد المتجانس من أجل رفع الإنتاجية وسعياً إلى التمتع بكفاءة عالية وحيوية لتسيير مختلف المرافق في الدولة، وتطوير أساليب العمل والأداء بما يتوافق مع المتغيرات المحيطة، بحيث تكون قادرة على التعامل مع هذه المتغيرات بفاعلية.
وهذا ما أشار إليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بقوله: «إننا نريد حكومة عصرية وإدارة حديثة وفعالة تعمل بشفافية وبروح الفريق الواحد المتجانس من أجل رفع الإنتاجية وتتمتع بكفاءة عالية وحيوية لتسيير مختلف المرافق في الدولة».
ومن الواضح أن أعضاء الوزارة يتميزون بكونهم من الكفاءات، فضلاً عن أن بعضهم من الوزراء الجدد، وبعضهم من الشباب؛ مما يدل على إتاحة الفرصة أمام الفكر الجديد والدماء الجديدة وروح الشباب، خاصة مع تولي سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم منصبه الجديد ولي العهد لإمارة دبي، وتولى سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم منصب نائب حاكم دبي.
وفي التشكيل أربع وزيرات، مما يعني زيادة التمثيل النسائي في الحكومة، وحصول المرأة على مكانة تليق بدورها في بناء وتطوير المجتمع الإماراتي. فبعد أن كان هناك وزيرتان في الوزارة السابقة أصبح في الوزارة الجديدة أربع وزيرات.
مما يشير إلى زيادة تمكين المرأة الإماراتية وإتاحة الفرصة أمامها لأداء دور أكبر في مجال العمل السياسي العام، واحتلال المواقع القيادية، بالإضافة إلى تواجدها الكبير في البرلمان أقصد المجلس الوطني.
وجدير بالذكر هنا ان دولة الإمارات تعد بالنسبة للمرأة الدولة الأولى عربياً من حيث نسبة تمثيلها في المجلس الوطني، كما تعد الدولة الثانية عربياً بعد المغرب من حيث تمثيل المرأة في مجلس الوزراء. ويعني كل هذا مزيداً من المشاركة الفاعلة للمرأة الإماراتية في تحمل المسؤولية الوطنية وبناء نهضة الدولة الاتحادية.
وهذا يعني وجود تغيير جوهري في بنية التشكيل الوزاري الجديد، بل وتغيير جوهري في تركيبة الحكومة الجديدة.
ان تشكيل الحكومة الجديدة يكشف عن ان الإصلاح هم كبير يفكر فيه قادة الأمة الاتحادية ويأخذونه، أخذ الجد، فالرغبة واضحة جدا في السير على طريق التحديث والتطوير والإصلاح على مستوى البناء السياسي والإداري والمجتمعي، ثم على مستوى العلاقات الدولية.
وفي اعتقادنا أن الإصلاح ليس عبئاً على الدولة والحكومة الاتحادية، بل عبء الإصلاح يقع أيضاً على كل فرد من أبناء الأمة الاتحادية وعلى منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص.
والمجتمع المدني لابد أن يدخل في نوع من الشراكة الفعالة مع الحكومة والقطاع الخاص في تحديث دولة الاتحاد، لأن المجتمع المدني له دور كبير في حل أزمة مجتمعنا، لما للمجتمع والمنظمات غير الحكومية من عناصر قوة في التنمية في أي مجتمع من المجتمعات المتقدمة في دول العالم الأول والمتقدم، ولذا لابد من تضافر الجهود في وضع معالم استراتيجية جادة لإنعاش وتطوير المجتمع المدني .
كما قلنا مراراً وتكراراً، لأنه لا يمكن إحداث تنمية وتحول ديمقراطي في الإمارات دون تفعيل المجتمع المدني، وفي هذا الإطار نجد أن إصلاح الدولة لن يكتمل بدون إصلاح المجتمع المدني، وإذا كنا قد طالبنا مراراً بضرورة تحديث البناء الهيكلي للدولة، فإننا نؤكد أن قطاع المجتمع المدني بالمعنى الحديث في الدولة الاتحادية بحاجة هو الآخر للتطوير والإصلاح والخضوع للتغييرات الحديثية التي تشهدها الإمارات هذه الأيام.
ولذا نجد أنه من الضروري تحرير منظمات المجتمع المدني من القيود والمكبلات التي تحد من حريتها وحركتها، فالقوانين المنظمة للنشاط الاجتماعي لا تزال تحتاج إلى تغيير.
ولا يمكن تحديث الدولة والمجتمع المدني بدون تحديث المواطن؛ فالمواطن هو حجر الزاوية في أية عملية إصلاح، فهل هناك مجتمع متقدم ومتطور بدون مواطن متقدم ومتطور وهل يمكن أن نجد في أي نظام من أنظمة العالم حكومة متقدمة وشعبها غير مواكب لتقدمها. بطبيعة الحال لا يمكن هذا. فالشعب هو الركن الركين والركيزة الأساسية لأية عملية تحديثية.
وفي اعتقادنا أن الإصلاح السياسي غير ممكن بدون أن يكون لدينا المواطن الواعي والفعال والمدرك لأهمية التنمية بل والمشارك في صنعها على أساس من إدراك طبيعة الفكر السياسي الديمقراطي، وطبيعة الأنظمة السياسية.
فهذا الإدراك جزء من تكوين المواطن الصالح القادر على حمل عبء المشاركة السياسية بوصفها ضرورة قصوى في عملية الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي التي تشهدها الدولة الاتحادية في ظل قيادة حكيمة أخذت على عاتقها مواصلة مسيرة الإصلاح.
واذا كان الإصلاح الديمقراطي بدأ في أركان النظام السياسي للدولة، فإن هذا لا يكفي؛ إذ لا بد من تكوين المواطن الديمقراطي القادر على ممارسة التجربة الديمقراطية في عمله وفي حياته، ولابد من توسيع نطاق الديمقراطية في كافة مؤسسات الدولة الاتحادية وقطاعاتها، بل وفي نطاق الممارسة المجتمعية اليومية.
فالديمقراطية في نظام الحكم غير منعزلة عن الديمقراطية في سائر قطاعات المجتمع العام. وإذا كانت الديمقراطية هي الأسلوب الأمثل في إدارة الدولة، فإنها لا يمكن أن تحقق أغراضها، بل لا يمكن أن تكون ديمقراطية حقيقية، دون أن تعم سائر القطاعات، من أسفل إلى أعلى، بحيث تصير ديمقراطية كاملة.
جامعة الإمارات
