يبدو أن العرب لم يستخلصوا بعد دروس العصر القديم الذي عاشوه وعايشوه، كما لم يستوعبوا بعد حقائق العصر الجديد الذي يعيشون فيه الآن ولا يعايشوه، وبينما توقفوا عن إعطاء الدروس لغيرهم لم يعودوا يريدون تعلم الدروس من غيرهم في «الاتحاد» من أوروبا ولا في «الإرادة» من أفريقيا، فلم يستخلصوا بعد درس الفرق بين القوة في حالة الاتحاد والضعف في حالة التفكك.
ليس فقط فيما مر عليهم من حقب تاريخية بل فيما مر عليهم من تجارب غيرهم لإمبراطوريات كبرى سادت ثم تفككت وبادت، ولا فيما كانوا عليه موحدين بالإسلام، حينما كانوا القوة العظمى الأولى في عالمهم في ظل الدولة العربية الإسلامية الموحدة بعد انتصارهم على القوتين العظميين الفرس والروم.
ولا بعدما أصبحوا فيه مجزئين بالمذهبية والطائفية والقبلية، حينما تنازعوا كممالك لطوائف فضعفوا وذهبت ريحهم ووقعوا تحت سيطرة الاستعمار الغربي، وتقسموا بإرادة الاستعمار، ثم انقسموا الآن بإرادتهم بين محور غربي مسالم ومحور عربي مقاوم.
وأيضا فيما كان الاتحاد السوفييتي بالاتحاد قوة عظمى مع الولايات المتحدة في القرن الماضي، وبعدما أصبح فيه أضعف بعد التفكك لينكمش في روسيا الاتحادية، فيما بقيت الولايات الأميركية القوة العظمى الأولى ببقاء اتحادها، ولو أن الخمسين ولاية تفككت، مثلما تفكك الاتحاد السوفييتي، فلن يكون لولاية مثل واشنطن أي ترتيب متقدم على سلم القوى العالمية.
وكذلك فيما كانت عليه دول أوروبا من تجزئة فيما يزيد على 25 دولة مقسمة بين معسكرين الشرقي الشيوعي، والغربي الرأسمالي، وبالرغم أن أوروبا ليست أمة واحدة، ومن اختلاف اللغات والقوميات، ومن تاريخ طويل من الحروب المريرة.
فقد تجاوزت أوروبا بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط جدار برلين حالة الانقسام الأيديولوجي وتجمعت في الاتحاد الأوروبي الذي يضم عدة أمم، بينما نحن كنا أمة واحدة في دولة واحدة، لكنها الآن مجزأة إلى عدة دول تفصلها الجدران والألغام على حدود الأجزاء!
هذا هو الدرس الذي ينبغي أن نتذكره ونعيه من عصر مضى، ومن أولى حقائق عصر نعيش فيه، عصر الكبار لا عصر الصغار، حيث لا مكان فيه للكيانات الصغيرة، ولا مكانة محترمة فيه إلا للدول الاتحادية الكبرى التي يمكنها فرض احترامها بقوتها وتقدمها في عالم التكتلات الإقليمية الكبرى والاتحادات الكبرى. ومع ذلك تشير أوضاعنا العربية والإسلامية المتراجعة إلى أن بيننا من لا يريدون أن يتذكروا شيئا ولا يفضلون الوعي بدروس الماضي أو الحاضر، سواء فيما يتصل بنا أو فيما يتصل بغيرنا!
وآن الأوان أن نعيش عصرنا ونستعيد إرادتنا لنستعيد قوتنا ونحل مشكلات شعوبنا الاقتصادية والاجتماعية، التي لو تكامل العالم العربي لاستطاع حل مشاكل كل الدول العربية الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، حيث لا تتوافر لدولة واحدة القدرة وحدها على حل جميع مشكلاتها بينما وعناصر مشروع النهضة والقوة، ولدينا الاتفاقيات والمشروعات.. فلماذا نتلكأ في الإقدام على تغيير واقعنا إلى مستوى أمانينا؟!
هناك مشروع «الاتحاد العربي» الذي قدمته ليبيا إلى القمة العربية في الدار البيضاء عام 84، وطلبت دراسته والحذف والإضافة والتعديل فيه ليصل الجميع إلى رؤية مشتركة نقيم بها صرح الاتحاد العربي المطلوب.
وهو أشبه بصيغة فيدرالية قريبة من صيغة إتحاد الإمارات العربية، تتحول به جامعة الدول العربية بمجالسها ومؤسساتها وأماناتها إلى مظلة اتحادية مع بقاء كل قطر بنظامه وخصوصياته وسلطاته المحلية، لكنه يوسع دائرة التكامل في كل الميادين ويقدم إلى جانب «الاتحاد الأوروبي» على الضفة الأخرى للبحر المتوسط «الاتحاد العربي».
لكن لا العرب ناقشوا هذا المشروع ولا قدم أحد آخر مشروعا اتحاديا آخر منذ عام 84 وحتى الآن، حتى سبقتهم أفريقيا إلى الشروع في بناء الاتحاد الأفريقي، وهو مثل أوروبا، اتحاد يضم عدة أمم في دولة اتحادية واحدة.. فلماذا تبقى أمة العرب الواحدة عدة دول على عكس الأمم خارج منظومة عصر الكبار ؟!.. مجرد سؤال.