هنري كسينجر أحد أهم وأبرز وزراء خارجية الولايات المتحدة الأميركية الذين طبعوا بصماتهم على سياستها الخارجية خلال حقبة السبعينات. ورغم خروجه من العمل السياسي المباشر إلا إنه أصبح يمثل بأفكاره وأطروحاته ما يراود صناع القرار في الإدارة الأميركية من رغبات وأهداف وهواجس كما إنه بهذه الأفكار أصبح يمثل أحد الأقطاب المؤثرة في سياساتها ومواقفها الخارجية.

وفي حديث صحافي أخير له مع جريدة درشبيغل الألمانية نشرت إيلاف ترجمة له حدد كسينجر ثلاثة من التحديات تواجهها الولايات المتحدة الأميركية في حقبتها المعاصرة. وذلك بقوله التالي: «اعتقد أننا نواجه ثلاثة تحديات حاليا: اختفاء القومية؛ صعود الهند والصين، وثالثا، ظهور مشكلات وتحديات لا يمكن حلها عن طريق قوة واحدة، مثل الطاقة والبيئة.

نحن لا نملك الترف للتركيز على مشكلة واحدة؛ علينا أن نتعامل مع الثلاثة جميعا وإلا لن ننجح في حل أي منها. إن صعود آسيا سيكون حدثا هائلا. ولكن لا يمكننا أن نقول اننا ينبغي لذلك أن نعلق تحديات أخرى، مثل محاربة الإسلام الراديكالي».

أما التحدي الأول فقد تعاملت أميركا معه بقدر كبير من البرجماتية حيث إنها شجعت في بادئ الأمر دول شرق أوروبا بالتمرد والاستقلال عن الاتحاد السوفييتي والذي بدأ مع دعمها للجنة التضامن البولندية.

وقد قادت الحملة فيما بعد لتوالي سقوط الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية وقيام أنظمة موالية أو شبه موالية للغرب وأميركا ولم تنته المسالة عند ذلك الحد وإنما قاد دعم الدولة القومية نحو تفكك الاتحاد السوفييتي واستقلال جمهورياته المختلفة وفي تفكك الاتحاد اليوغسلافي وقيام جمهورياته الاثنية المختلفة.

ولم ينته الأمر عند ذلك وإنما امتد بعض الشيء ليشمل تشجيع الحركات الانفصالية في الصين، ودعم بدا في بادئ أمره مشجعا لقيام دولة كردية في الشمال العراقي إلا إن الموقف قد تبدل مع تبني الصين لمواقف أكثر براجماتية وسياسة تعاون اقتصادي مع أميركا.

وفي الضغوط التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأميركية من تركيا أحد أهم حلفائها في المنطقة ومن مجموعة من الدول العربية والتي وجدت في قيام دولة كردية في الشمال العراقي إيذانا بقيام الدويلات الاثنية في المنطقة العربية وهي الدولة التي قد يصعب ضبطها فيما بعد. وقد يفسر ذلك تراجعها عن مشروعها المقترح بقيام ثلاث من الدول المذهبية والعرقية في العراق.

فهو وإن كان يخدم مشروعها في الداخل العراقي إلا إن تداعياته المستقبلية على المنطقة العربية وكذا على المصالح الأميركية قد يكون كبيرا ومدويا.

وتمثل حالة الانتقال من الدولة القومية إلى حالة الدولة المتعددة الثقافات أو بالأحرى الهويات، السمة الواضحة في المجتمعات المعاصرة، هذه الحالة التي دشن العالم دخوله في الألفية الثالثة بما سمي بحروب الهويات، هذه الهويات التي إذا ما فقدت الضابط لها والمحدد لتعبيراتها، فإن الوحشية التي تمثلت في الحالة اليوغسلافية والرواندية والصومالية والعراقية أبرز تعابيرها.

ويمثل التحدي الثاني قمة العقلانية الأميركية فهي وإن كانت تجد في الصعود الاقتصادي الآسيوي تهديدا لثقلها الاقتصادي في العالم، إلا إن دخولها كأكبر سوق اقتصادي واستثماري في العالم في اتفاقيات استثمارية وتجارية تفضيلية مع الصين والهند أعطى الولايات المتحدة الأميركية مساحات للضغط السياسي على هذه الدول لم يكن بالإمكان أن يكون بغيرها، بل إن هذا التعاون الاقتصادي قد أدخل قدرا من العقلانية السياسية في سياسات هذه الدول على الصعيد الخارجي.

حتى باتت الولايات المتحدة الأميركية أكبر أسواق العالم استيرادا للبضائع والسلع الصينية والهندية، كما إنها وبفعل معطيات السوق الهندي والصيني قد أصبحتا واحدة من أهم مواقع استثمارات رأس المال الأميركي.

ويمثل تحدي الطاقة والبيئة مجتمعين تحدي عملت أميركا على شقه الأول وأعني الطاقة وذلك من خلال البحث عن مناطق جديدة له غير مناطقه التقليدية. فاتجاهها نحو أفريقيا، هو نوع من النزوع لتأمين استمرارية تدفق النفط لها ليس فقط بأرخص الأسعار، وهو الأمر الذي لم يعد قائما على الأقل في المدى القصير.

وإنما من حيث الحصول عليه دون إمكانيات تهديد تدفقه فاتجهت نحو أفريقيا للبحث عنه، وما زيارة الرئيس الأميركي الأخيرة لأفريقيا ببعيدة عن هذه المرامي. وتبقى الولايات المتحدة والصين الدولتان الأكثر هتكا للبيئة والإضرار بها والممانعتين لاتفاقية الإنحباس الحراري.

أما التحدي الذي أسماه كيسنجر بتحدي الإسلام الراديكالي: وهو مصطلح كما هو مصطلح الإسلام السياسي شاع إستخدامهما بفعل الآلة الإعلامية الغربية، وهو مصطلح قصد منه الجماعات ذات الأهداف السياسية المعلنة من ضمن المسلمين والتي يكون الدين يافطتها المعلنة.

ورغم ما قد يحمله المصطلح من تبعات على الدين الإسلامي إلا إننا سنفهم المصطلح في الجزء الذي اشرنا إليه. فالجماعات الإسلاموية الراديكالية برزت كأحد القوى المناهضة للغرب والولايات المتحدة الأميركية والمهددة لمصالحه وإستراتيجياته في المنطقة.

وهي رغم بعض جماعاتها المعتدلة إلا إنها بدت وكأنها من حيث تهديداتها لمصالح هذه الدول تتجاوز الأطر الإقليمية ليكون العالم في اتساعه مسرحا لعملياتها. وقد ارتكبت الولايات المتحدة الأميركية فيما سمي بحربها على الإرهاب أخطاء جمة كلفها في ذلك الكثير وارتدت عليها نقمة واسعة، عمقت منه، ما ارتكبته من أخطاء جسيمة في العراق وموقفها المطلق التأييد لإسرائيل.

وهي أي الولايات المتحدة الأميركية وإن بدت برجماتية عقلانية النزوع في حالتي المسألة القومية والتحدي الآسيوي، إلا إنها لم تحدث قدرا مهما من التغيير على موقفها المعلن من إسرائيل وممارساتها في الأرض العربية.

وأعتقد جازما إن تحولا قد يكون مهما في موقف العالم العربي والإسلامي من الولايات المتحدة الأميركية يوم تكون قادرة على إحداث تغير مهم في موقفها من إسرائيل تغيرا، لا أقول في ان تميل للعرب والإسلام وإنما أن تميل بقدر مهم من الحق الفلسطيني.

وعندها فقط قد يمثل ذلك خطوة مهمة في كسب الموقف منها في هذه المجتمعات وفي القدرة على هز الأرضية التي يقف عليها «الإسلام الراديكالي» أو موقف الجماعات الإسلاموية من الولايات المتحدة الأميركية. وأعرف إن مثل ذلك قد لا تكون بالعملية أو المهمة السهلة لتعقد صناعة القرار فيها وقدرة القوى المالية والإعلامية والصناعية على تشكيله والتي تمتلك فيه إسرائيل الشيء الكثير.

كاتب بحريني