على مدى 49 عاماً حتى الآن لم تخفف الولايات المتحدة من عدائها الراسخ ضد كوبا كاسترو بل ان حدة هذا العداء تضاعفت، لماذا؟
كانت أولى بوادر العنف العدواني الأميركي ضد الجزيرة التي تقع على مرمى حجر من سواحل ولاية فلوريدا حملة غزو في عام 1961 ولما يكمل النظام الثوري الحاكم عامه الثاني «حينئذٍ» كانت الذريعة الأميركية الرسمية هي أن كوبا كاسترو أخلت بمعادلة توازن القوى الدولية بانفتاحها على الاتحاد السوفييتي ـ الخصم الأيديولوجي الدولي الأول للولايات المتحدة والمعسكر الرأسمالي الغربي عموماً.. بالنظر إلى قرب كوبا الجغرافي من الأراضي الأميركية.
ربما كانت تلك ذريعة منطقية ومشروعة بحسابات صراع القوى الكبرى في ذلك الحين عبر عقود الستينات والسبعينات والثمانينات. لكن لماذا تواصل العداء الاستراتيجي الأميركي لكوبا بعد زوال المعسكر السوفييتي بأكمله تقريباً بحلول بداية عقد التسعينات وحتى يومنا هذا بل ودون ان تبدو إشارة على احتمال انحسار هذا العداء على الأفق القريب؟
الإجابة هي: أن تلك الذريعة لم تكن السبب الحقيقي للعداء، السبب الحقيقي الجذري كان ولا يزال هو تخوف الولايات المتحدة من نجاح النموذج الاقتصادي الاشتراكي الذي تطبقه الثورة الكوبية واحتمال انتقال «عدوى» هذا النموذج إلى سائر بلدان أميركا اللاتينية في الجوار الجغرافي القريب. ولذا فإن الاستهداف الأميركي العدواني بدأ من الوهلة الأولى لاستيلاء الثورة الكوبية الاشتراكية على السلطة في مطلع عام 1959.
لقد أطاحت الثورة المسلحة بزعامة فيديل كاسترو بنظام دكتاتوري كان هاجسه الأوحد هو حماية مصالح الشركات الأميركية العاملة في الجزيرة من ناحية وقمع أي تحرك شعبي يعارض النهب المنظم للموارد الوطنية الذي كانت تمارسه تلك الشركات.
إسقاط نظام الدكتاتور الجنرال باتستا كان في حد ذاته سبباً كافياً لإثارة مشاعر الغضب في أوساط الطبقة الحاكمة الأميركية. ولذا كان من الطبيعي أن يتضاعف هذا الغضب عندما باشرت الثورة تنفيذ برنامج للتأميم.
ويتضاعف أكثر عندما شرع كاسترو في تطبيق برنامج طموح لإعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس اشتراكية تضمن سيطرة الدولة المركزية على عملية التخطيط الاقتصادي والاجتماعي في كافة مجالات الإنتاج والخدمات.
لقد ورثت الثورة الكوبية عن نظام باتستا اقتصاداً في أدنى درجات التخلف يعتمد على مورد قومي أحادي هو صناعة السكر. وبما أن السوق الرئيسية لصادرات السكر الكوبي كانت الولايات المتحدة فان واشنطن كانت في موقف يمكنها من ممارسة ابتزاز سياسي على نظام كاسترو عن طريق التحكم في الطلب.
وفي غضون زمن قياسي تمكنت كوبا كاسترو من إلغاء مفعول هذا الابتزاز عن طريق تنويع موارد الاقتصاد الوطني بتنفيذ برنامج واسع النطاق للتصنيع والانفتاح التجاري على أسواق العالم انطلاقاً من سياسة خارجية استقلالية.
القضية من المنظور الأميركي تجاه التجربة الكوبية الاقتصادية والاجتماعية هي إذن نجاح النموذج الكوبي الاشتراكي بالمقارنة مع فشل نظام اقتصاد السوق السائد في أغلب بلدان أميركا اللاتينية: اكتفاء ذاتي وتوزيع عادل للثروة هنا.. وبؤس معيشي يتفشى بين فئات محدودي الدخل هناك.
لهذا يتواصل العداء الأميركي لكوبا كاسترو على مدى 41 عاماً.. قابلة للزيادة.