ما يحصل في الساحة الفلسطينية وما تتعرض له، في آن، يكاد يستعصي على الفهم. ناهيك بالقبول. إسرائيل أطلقت حبل مجازرها على غاربه، آلتها العسكرية العدوانية، كانت تحصد من الفلسطينيين بالمفرق، صارت تحصد بالجملة. كان العدد اليومي بالآحاد، صار بالعشرات. آخر وجبة من الشهداء تجاوزت العشرين؛ من بينهم رضيع. والهجمة إلى تصعيد. هكذا يتوعّد ويهدد، المسؤولون الإسرائيليون.

هجمة نارية كاسرة، ترفد الحصار؛ بحيث تكمل المجازر عملية شدّ الخناق حول رقبة الشعب الفلسطيني؛ فيتحقق المراد لإسرائيل. بيد أن ذلك، على فظاعته وهمجيته، قد لا يكون فيه ما يثير الدهشة، ولو أثار النقمة.

ذلك أنه بضاعة إسرائيلية، لا تنتج مصانع تل أبيب غيرها. ماركة مسجلة باسمها. لديها مخزون هائل، لا ينضب منها. وهو دوماً على تجديد وتصعيد. لكن المدهش فعلاً هو أن يترافق مع حفلة المجازر الإسرائيلية هذه، حفلة تراشق عنيف بالاتهامات، بين الخنادق الفلسطينية المتقابلة.

في اللحظة نفسها التي تفتك فيها إسرائيل بالساحة الفلسطينية، في غزة والضفة، وبوتيرة غير مسبوقة ومفتوحة على المزيد؛ تبدو هذه الساحة غارقة أكثر وأكثر بخلافاتها؛ وبما يعمّقها ويزيد من التباعد بين أطرافها.

بل هي غارقة، في بعض جوانبها، بقدر من العبثية. والحصيلة، كالعادة، خلو الميدان لإسرائيل ومنحها المزيد من التحفيز والغطاء، للتمادي في استباحاتها الدموية. خاصة وأن العالم المتفرج، قد منحها، هو الآخر، سكوته، والبعض منه، منحها بركته، ضمناً؛ مع كل ما ينطوي عليه ذلك من إطلاق ليديها، كي تواصل هجمتها ومجازرها؛ وبالتالي لتواصل عملية الإطاحة بأنابوليس والتعهدات التي انبثقت عنه؛ ناهيك بالآمال التي بُنيت عليه.

المعادلة واضحة ومع استمرار وتفاقم الوضع الراهن، هي تزداد وضوحاً، فهناك ساحة فلسطينية مشطورة، مقابل احتلال مفتوحة شهيته على الاستفادة القصوى من هذه الحالة؛ التي طالما تمنّاها وتطلع إليها. هي تغوص أكثر في جروح انقساماتها، وهو يتمادى أكثر فأكثر في استنزافها، عسكرياً وسياسياً.

دوّامة تتغذى من ذاتها. الواضح أكثر أن خروج الحالة الفلسطينية من هذه الدورة القاتلة، ليس أمامه سوى بوّابة واحدة لا غير: الجلوس على طاولة الحوار بين «فتح» و«حماس»؛ من أجل فتح طريق العودة إلى حضن الوحدة الفلسطينية.

الكل يعترف بهذا الشرط ـ الحاجة. فهو خط الدفاع الفلسطيني الأول، في هذه المرحلة. لكن بالرغم من ذلك ومن المحاولات الكثيرة التي جرت، لتحقيق العبور نحو هذا الشرط؛ بقي الوضع ليس فقط على حاله، بل ازداد سواء.

ومع كل عدوان إسرائيلي ـ وهو أمر يومي ـ يتفاقم الصراع الفلسطيني، وكان المفترض أن يحصل العكس. لكنّ ثمة خليطاً، على ما يبدو، من الأوهام والحسابات المغلوطة، تتحكم بالقرارات والمواقف، حالت ولا تزال دون رأب الصدع.

وقد تردد أن هناك محاولةً جديدةً، تقوم بها شخصيات فلسطينية حيادية، للتوسط بين الفصيلين، وهي لا شك مدفوعة بالإحساس العام، بأن المسألة لم تعد تحتمل المزيد من الانقسام والتأزم الداخلي الفلسطيني، الذي بات أمراً لا يطاق. لقد ألحق بالقضية خسائر فادحة. واستمراره يُنذر بوقوع ما يعادل الانتحار.