حاولت الدوائر الصهيوأميركية ترويج مصطلح «الإبادة الجماعية» وإلصاق التهمة بالحكومة السودانية بالرغم مما أقرت به اللجان الدولية لتقصي الحقائق بأن ما يجرى في دارفور من نزاع مسلح بين المتمردين الانفصاليين والحكومة المركزية لا تنطبق عليه مواصفات تلك الجريمة..
وبرغم أن ما تقوم به إسرائيل الصهيونية من جرائم حرب أكبرها جريمة الاحتلال وجرائم ضد الإنسانية أكبرها جريمة الحصار اللاإنساني ضد الشعب الفلسطيني شبيه إلى حد كبير لما قامت به ألمانيا النازية من جرائم ضد الشعب اليهودي في أوروبا إبان الحرب العالمية إلا أن أميركا وحلفاءها وتوابعها يتجاهلون الشرعية الدولية.
ويتغافلون عن أن هناك احتلالا إسرائيليا وأميركيا غير مشروع للأرض العربية يستوجب المقاومة، وتقف أميركا في مجلس الأمن الدولي على رأسها لا على قدميها تبرئ المجرمين بالاحتلال وبالإبادة الجماعية، ليس ذلك فقط، بل وتجرم المقاومين للجرائم ضد الإنسانية دولاً ومنظمات وأفراداً أيضاً، بل وتفرض عليهم العقوبات وتلاحقهم بالتهديدات العدوانية في حين انها مع إسرائيل تقفان اليوم أمام محكمة الضمير الإنساني كأكبر مجرمي الحروب والأكثر خطرا على السلام في العالم حسبما أكدت استطلاعات الرأي العام الأوروبية!
والأغرب من ذلك هو أن اليهود هم الذين قاموا بتوصيف جريمة العقاب الجماعي والإبادة الجماعية في القانون الدولي لمحاكمة جرائم الاحتلال النازي التي وقعت في سجون الاعتقال والتي استغلها الصهاينة لابتزاز ألمانيا، بل والتي بعقدة ذنبها حصلوا على دعم بريطاني وأوروبي لاغتصاب فلسطين ثمنا لجريمة فعلها أوروبيون ولم يرتكبها الشعب الفلسطيني. فما هي القصة ..وما هو التوصيف اليهودي للجريمة ومن يرتكبها الآن على الأرض العربية والإسلامية؟.
القصة بدأت عام 1944، حينما سعى المحامي اليهودي البولندي «رافائيل ليمكين» إلى وضع وصف للسياسات النازية للقتل المنظم، بما في ذلك إبادة الشعب اليهودي الأوروبي . وقام بتشكيل مصطلح «الإبادة الجماعية» (genocide) المكونة من كلمتين، كلمة جماعي (-geno) اليونانية والتي تعني سلالة أو قبيلة، مع كلمة «الإبادة» (cide-) اللاتينية التي تعني القتل.
كان مفهوم «ليمكين» لهذه الجريمة هو أنها القيام بوضع خطة منظمة تتألف من إجراءات مختلفة تهدف إلى تدمير الأساسيات الضرورية لحياة مجموعات قومية، أو إبادة المجموعات نفسها مباشرة. وفي العام التالي، وجهت المحكمة العسكرية الدولية التي شكلها الحلفاء المنتصرون الخصوم لألمانيا في مدينة «نورمبرج» الاتهامات إلى كبار القادة النازيين بارتكاب «جرائم ضد الإنسانية». وقد اشتملت الاتهامات على وصف «الإبادة الجماعية».
وقد أقرت الأمم المتحدة اتفاقية لمنع جرائم الإبادة الجماعية باعتبارها جريمة دولية ومعاقبة مرتكبيها عام 1948.وتم تعريفها بارتكاب أي عمل من الأعمال بنية الإبادة، الكلية أو الجزئية الفورية أو التدريجية، لجماعة ما على أساس القومية أو العرق أو الجنس أو الدين، مثل القتل الجماعي بكل أشكاله ..
أو إلحاق الأذى الجسدي أو النفسي الخطير. أو الإضرار بالأوضاع المعيشية بشكل متعمد بهدف التدمير الفعلي لجماعة بشرية كلياً أو جزئياً،أو فرض إجراءات تهدف إلى منع المواليد داخل الجماعة. وأخيرا نقل الأطفال بالإكراه من جماعة إلى أخرى.
والسؤال هو، ألا ينطبق التوصيف اليهودي والدولي لجريمة الإبادة الجماعية على ما تقوم به «الدولة الصهيونية اليهودية» في فلسطين، وما يحدث في العراق وأفغانستان على يد الاحتلال الأميركي.. وما يجرى في الصومال على يد الاحتلال الإثيوبي بدعم أميركي؟..
لكن ما يغيب عن الفهم والفعل الغربي والعربي هو أن المشكلة ليست في قوة القانون ولكن في قانون القوة القادرة على فرض تطبيق القانون في ظل اختلال معادلات القوى بين العرب المجزأين والغرب المتحدين.
المطلوب الآن هو دعم الوحدة الوطنية، والتكامل العربي، والتضامن العربي الإسلامي لامتلاك القوة التي تفرض القانون الدولي، وتمنع وقوع الجريمة وتفعيل التصدي لمرتكبيها بالمحاكمة والعقاب دون انتقائية أو معايير مزدوجة كما يفعل أدعياء الديمقراطية العالمية في أميركا وأدعياء حقوق الإنسان في أوروبا.