مضى أسبوع على التوغل التركي، في شمال العراق. العملية العسكرية لا تزال تتوسع وتتعمق، في المنطقة. القتال تزداد ضراوته؛ ولا دليل على اقترابه من نهايته. أنقرة تقول إن قواتها تعود إلى ما وراء الحدود، عندما تنجز مهمتها؛ من غير تحديد سقف زمني. احتدام المعارك وتصاعد الخسائر، العسكرية والبنيوية، بدأ يثير التحذيرات والاعتراضات، بل المخاوف؛ في المنطقة وخارجها.
الحكومة العراقية، أعلنت، يوم الثلاثاء وبالصوت العالي، إدانتها لهذا التوغل؛ وطالبت بوقفه فوراً؛ باعتباره يشكل «انتهاكاً» لسيادة العراق. من جهتها أعادت تركيا التأكيد، بأنها تمارس «حقها المشروع في الدفاع عن النفس».
في حدود هذا الحق، غير المجادل فيه من حيث المبدأ، يمكن تفهم الموقف التركي. لكن لا بدّ أن يكون لهذه الحدود، مدى زمني وآخر جغرافي. عندما تتواصل العمليات العسكرية بصورة تبدو معها وكأنها مفتوحة؛ عندئذ تبدأ التخوفات بالتعبير عن نفسها؛ وباكتساب مشروعيتها.
الجانب التركي، في تسويقه لخياره العسكري، يشدد على أن العمليات العسكرية الجارية « ليست ولم تكن، موجهة ضدّ شمال العراق، بل ضدّ تنظيم إرهابي». وقد نوّه بالدعم الأميركي؛ كما بالتفهم العراقي.
لكن كل ذلك، بصرف النظر عن جدارته، لا يمكنه أن يشكل تغطية لما أدّى وما يمكن أن يؤدي إليه، التوغل الذي قام به. فالعمليات البرية والجوية، الدائرة منذ أسبوع، تسببت في تدمير بنى تحتية، كما في نزوح سكاني، من ميدان القتال؛ الذي أخذ يقترب من المناطق الآهلة.
الأخطر من ذلك أن الصراع المسلح بدأ ينعكس على الداخل السياسي العراقي ويزيده تأزماً؛ مع كل ما يمكن أن ينتج عن ذلك من تفسّخات لهذه الساحة، التي فيها من التفسخ والالتهابات، ما يكفي وأكثر.
خاصة إذا تراجع متمردو حزب العمال باتجاه هذه المناطق وتغلغلوا فيها. التمادي إلى هذه الحدود يحمل في ثناياه أحد خطرين: إما تأجيج صراعات محلية جديدة، مرشحة لتفيض عن وعائها الداخلي، باتجاه الجوار. وإما أن تتذرع القوات التركية بأن الخطر ما زال قائماً؛ وبالتالي لا بدّ لها من البقاء والتمركز في شريط داخل الأراضي؛ كحزام أمني. وفي الحالتين يكون التوغل قد صبّ زيتاً جديداً على نار مشتعلة.
صحيح أن العراق واقع تحت الاحتلال؛ وبالتالي ان سيادته منتهكة؛ منذ خمس سنوات. لكن ذلك لا يبرر زيادة انتهاكها. فهو لا يزال عضواً في الأمم المتحدة؛ كما في الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي؛ وغيره من المنظمات الدولية. فوق كل ذلك وقبله، العراق بلد جار لتركيا. أمنها يتأثر بأمنه، بدرجة أو بأخرى. وخاصة في المنطقة القائمة على جانبي الحدود. ثم إن التجارب قد أثبتت؛ وفي هذا الصراع بالذات؛ أن الخيار العسكري ليس مأموناً ولا ضامناً للحل؛ بالرغم من التفوق العسكري التركي الكاسح.
ففي التسعينات من القرن الماضي، قامت القوات التركية بالتوغل في داخل الأراضي العراقية، كما تقوم اليوم، ثلاث مرات. لكن المشكلة بقيت قائمة. وفي كل حال فإن العراق هو، بحكم أوضاعه الخطيرة المعروفة، المتضرر الأول؛ من وقوع هكذا حروب على أرضه. لاسيما أنه لا ناقة له فيها ولا جمل. وبالتالي من حقه على جارته أن تكون له معيناً لا مصدراً للمزيد من المشكلات والتعقيدات. ففي ذلك خدمة للجارين معاً.
