لا بد من الإشادة بروح التسامح الديني التي فاضت من تصريحات الدكتور روان وليمز، كبير أساقفة كانتربري، الذي يمثل أعلى مرتبة دينية عند مسيحي الجزيرة البريطانية البروتستانت، والذي هو بمقام «مفتى الديار «في ثقافتنا الإسلامية. فالدكتور روان وليمز هو رأس الكنيسة الإنغليكانية التي لها أكثر من 80 مليوناً من الأتباع.
والتي تعتبر المؤسسة الدينية المعبرة عن «القومية الإنجليزية «، حيث انفصلت عن سلطة البابا في عهد مارتن لوثر، الذي قاد الإصلاح الديني في القرن السادس عشر.
ففي حديث له للإذاعة الرابعة للبي بي سي أكد بأنه لا بأس من إدخال بعض التشريعات الإسلامية وتكييفها مع الواقع البريطاني، كبعض قوانين الأحوال الشخصية والمعاملات التجارية بغية كسب ولاء المواطنين البريطانيين المسلمين وإدماجهم في النظام القضائي المعمول به في البلاد والذي يشعر هؤلاء حالياً باغتراب تام عنه.
وما أن نطق الأسقف وليمز ـ وهو حامي حمى الديانة المسيحية في الديار البريطانية ـ بتلك الآراء المتسامحة إلى أبعد حدود، حتى قامت القيامة عليه. فقد سارع المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني جوردن براون بالرد عليه والتأكيد على أن «براون يعتقد بأن القانون البريطاني النابع من الثقافة البريطانية يجب أن يطبق في هذه البلاد».
واجتمع في ذمه اليسار واليمين كل من منطلقه، وأخذ يعلو صراخ البعض تنديداً بتصريحاته على اعتبار أن «هذه البلاد بلاد مسيحية ويجب أن تطبق فيها القوانين المسيحية».
وأثار آخرون مسألة وجود الجالية المسلمة في بريطانيا وأغلبها من القارة الهندية بوصفها جالية طارئة وأفرادها ليسوا من سكان البلاد الأصلية، وإن هم رغبوا في تطبيق الشريعة فليرجعوا إلى مواطنهم الأصلية ويطبقوا ما يحلوا لهم تطبيقه!! ولابد من الإشارة أن الكثير من أفراد هذه الجالية البالغ عددها مليونا مسلم يؤمنون بتطبيق الشريعة الإسلامية في مناطقهم في دولة يبلغ إجمالي عدد سكانها ستين مليوناً، حيث أظهر استطلاع للرأي أفاد بأن 40% من هؤلاء يرون ضرورة تطبيق تعاليم الإسلام في أحيائهم السكنية، وهي في العادة أحياء مغلقة وغالبية قاطنيها من المسلمين.
بالطبع، لم يرد كبير الأساقفة روان وليمز ـ وهو رجل وقور ـ على كل ما قيل، بل ركز في محاضرة له أمام مجموعة من المحامين على أنه من الخطأ اعتبار أن كل تشريع لا يتماشى مع التشريعات الغربية يعتبر انتهاكاً لحقوق الإنسان، وكان يرد بذلك على أولئك الذين رأوا في تطبيق بعض جوانب الشريعة مساً بوضع المرأة بالذات.
وبين للحاضرين أن «لجان الصلح «مثلاً موجودة عند الكاثوليك واليهود، وهي التي تحاول التوفيق بين الأزواج في خلافاتهم، وحتى عند البروتستانت فإن الكثير من الأطباء لا يرضخون للقانون حينما يطلب منهم إجراء عمليات إجهاض، بحجة أن ذلك يتنافي مع معتقداتهم الدينية.
والحق، أن كبير أساقفة كانتربري كان بذلك يقرر حقيقة واقعة كما تقول الجريدة الأميركية الكرستيانس سينس مونيتور (12/2) فلجان الصلح أو التحكيم ـ إن شئت ـ قائمة في بريطانيا منذ أكثر من ربع قرن، فاللجنة القائمة في ضاحية ليتون شرق مدينة لندن على سبيل المثال وليس الحصر، قامت بالنظر في 7 آلاف دعوى طلاق ودعاوى أخرى من قبيل دعاوى الميراث والخلافات حول العقود وغيرها.
والأكثر من ذلك والأوضح أن الحكومة البريطانية ذاتها قامت بعمل تكييف قانوني بحيث أصبحت التعاملات المالية والمصرفية وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية معاملات قانونية ويمكن الأخذ بها.
أما التخوف من أن تطبيق بعض جوانب الشريعة المتعلقة بوجه خاص في قوانين الأحوال الشخصية سوف يلغي بالضرورة سيادة القانوني المدني البريطاني فإنه أمر مردود عليه، كما تقول عضو مجلس اللوردات هيله أفشار، التي ترى بأن هذه اللجان إنما هي لجان صلح يرتضى بحكمها الطرفان المتخاصمان وليس لها قوة جبرية في تطبيق أحكامها. وهي فضلاً عن ذلك لا تستطيع أن تعارض القانون البريطاني كأن تبيح تعدد الزوجات وإن آمن قضاتها في ضمائرهم بذلك.
ويزداد خوف البريطانيين، وعلى وجه الخصوص الإنجليز منهم، على أن ترك المسلمين يفعلون ما يحلو لهم سيخلق مجتمعاً «موازياً» أو قائماً «جنباً إلى جنب» مع المجتمع الأكبر وهو المجتمع الإنجليزي بثقافته المعروفة.
وقد اتضح هذا التخوف بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وتوضح أكثر لرجل الشارع الإنجليزي بعد أحداث مترو لندن في السابع من يوليو من العام 2005 والتي راح ضحيتها أكثر من خمسين شخصاً، حيث تبين أن منفذيها هم أبناء الجالية المسلمة المنحدرين من باكستان.
ولذلك يتخذ رئيس الوزراء الجديد جوردن براون ـ كما تقول دير شبيغل الألمانية (12/2) سياسة التأكيد على «الهوية الإنجليزية «بعكس سلفه توني بلير الذي كان يحبذ «التعددية الثقافية «. وفي هذا الإطار يتم حالياً تنوير وتبصير المهاجرين الجدد لبريطانيا بالقيم الإنجليزية التي يجب أن يراعوها إن هم رغبوا أن يصبحوا مواطنين فيها.
ولعل تصريحات كبير الأساقفة المتسامحة ليست هي كل الصورة، وإن أجملت الوضع المتوتر بين الجالية المسلمة ومحيطها الإنجليزي الأكبر، فسكان أكسفورد (المدينة الجامعية العريقة) منشغلون هم أيضاً بأمر مهم يعتبر اختباراً لمدى تقبل الإنجليز للقيم الجديدة عليهم. فقد تقدم القائمون على مسجد أكسفورد بطلب إلى مجلس المدينة لرفع الأذان بمكبرات الصوت.
وهو الأمر الذي أثار حفيظة البعض ـ كما تقول الديلي تلغراف (2/2) ـ حيث تعتبر أكسفورد مهد تدريس تعاليم البروتستانتية في بريطانيا وحاضنة لأجساد شهداء دعوتها في العام 1555 م وأيضاً موطناً للحركة التحررية (الحركة الشارتية) في العام 1833. ومع ذلك، يقف أسقفها موقفاً مبدئياً من حرية التسامح الديني ولا يمانع أن يتمتع المسلمون بممارسة شعائرهم بحرية ومنها الأذان بمكبرات الصوت.
وهذا الموقف بالطبع يؤلب عليه مجاميع كثيرة بحسب الجريدة. نتمنى أن يكون موقف كبير أساقفة كانتربري وأيضاً موقف أسقف أكسفورد عبرة لنا نحن المسلمين خاصة لأولئك المتزمتين دينياً منا الذين يريدون أن يحرموا الآخرين من حرية العبادة وإقامة شعائرهم بمختلف الذرائع، علماً بأن البعض من هؤلاء الآخرين هم من أبناء أمتنا العربية والإسلامية وليسوا دخلاء عليها أو مهاجرين إليها.
كاتب كويتي