خلال السنوات الماضية ساد اعتقاد لدى العديد من الباحثين بأن رابطة الدول المستقلة والتي تأسست في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي كصيغة لفك الارتباط بين جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، قد بدأت تحتضر، وفى طريقها للزوال. وقد توصلت كييف في عهد الرئيس السابق كوشما لقرار بإهمال هذه الرابطة، نفذه الرئيس الحالي يوشينكو بالتعامل مع الرابطة من منظور أن مؤسسة منتهية، ليس لها أي دور سياسي أو اقتصادي.
ومع تسليمنا بأن الرابطة كوعاء جمع دول الفراغ السوفييتي السابق لم تتمكن من إجراء إصلاحات جدية في أدائها وعملها تمكنها من أن تصبح مؤسسة فاعلة وهامة لأعضائها،إلا أنها مازالت المجال الذي يلتقي رؤساء الدول ويتحمل حواراتهم لفض أية خلافات أو تعارض في المصالح.
وكان من الطبيعي أن تسيطر قضية إعلان استقلال إقليم كوسوفو من طرف واحد على القمة غير الدورية لرابطة الدول المستقلة، التي عقدت في موسكو هذا الأسبوع، ويمكن اعتبارها قمة طارئة غير عادية.
فالمشكلة لا يمكن أن تختصر ببساطة على انها استجابة لرغبة أغلبية سكان إقليم كان ضمن السيادة الصربية، وإنما هي أعقد من ذلك بكثير بالنسبة لدول الفراغ السوفييتي التي تضم عشرات وربما مئات القوميات، التي يطمح العديد منها للقيام بما قام به برلمان كوسوفو. بل ان بعض هذه الأقاليم قد اتخذت خطوات مماثلة لم تلق استجابة من جانب الرابطة وأعضائها.
وإذا كانت أزمات الانفصال مازالت تسيطر على كل من جورجيا وأذربيجان ومولدافيا،حيث جرت استفتاءات رسمية في كل من إقليمي أبخازيا وآوسيتيا الجنوبية على استقلال الإقليمين عن السيادة الجورجية منذ عدة أعوام، مما أثار صراعات سياسية وعسكرية، لم تحسم حتى يومنا هذا. إضافة لإقليم كراباخ المتنازع عليه بين أذربيجان وأرمينيا والذي يشكل الأرمن أغلبية سكانه ويطالب بالحكم الذاتي.
النزاعات الانفصالية لم تتوقف عند هذا الحد، حيث تعاني أوكرانيا أيضا من صراعات عرقية في إقليم القرم، بعد عودة التتر (السكان الأصليين) إليه عقب انهيار الاتحاد السوفييتي. ناهيك عن أن هذا الإقليم الروسي حصلت عليه أوكرانيا كهدية في الخمسينيات من القرن الماضي خلال عهد خروشوف، وتم تقنين السيادة الأوكرانية عليه عقب انهيار الاتحاد السوفييتي في بداية القرن الحالي عندما وقعت معاهدة الصداقة بين روسيا وأوكرانيا والتي تم بموجبها ترسيم الحدود بين البلدين.
وقد تم تحديد وضع إقليم القرم ضمن السيادة الأوكرانية، كجمهورية لها حق الحكم الذاتي، ويشكل التتر أغلبية السكان فيها البالغ عددهم حوالي مليوني نسمة، وكان ستالين قد قام بتهجير التتر من هذا الإقليم في الأربعينيات من القرن الماضي لتجنب ظهور حركات انفصالية خلال الحرب العالمية الثانية.
ثم عاد سكان الإقليم المهجرين إلى وطنهم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ما أدى لنشوب صدامات وصراعات بين السكان المقيمين، والتتر العائدين إلى منازلهم، ومازال إقليم القرم يعتبر من البؤر المتوترة في اوكرانيا والتي تهدد بانفجار قد يدمر السيادة الأوكرانية في ظل الصراع السياسي الدائر بين البرتقاليين وحزب المناطق المعارض ،والذي يهدد أيضا بانقسام أوكرانيا إلى شرق وغرب.
هذا الوضع هو الذي دفع الرئيس يوشينكو للحرص على حضور قمة رابطة الدول المستقلة، وإلى الإعلان عن حرص أوكرانيا على ضرورة مواصلة المشاورات بين أوكرانيا وروسيا وجميع شركائهما الإستراتيجيين من أجل صياغة موقف دقيق من هذه المسألة، وكشف عن أن بلاده لم تحدد موقفها بعد تجاه إعلان استقلال كوسوفو عن صربيا.
ولعل تصريحات القادة البرلمانيين الروس والبيان المشترك الذي صدر عن الدوما الروسي ومجلس الاتحاد قد أثار قلق الرئيس يوشينكو، حيث دعت السلطات التشريعية الروسية إلى إعادة النظر في تعامل موسكو مع الأقاليم الواقعة في الفراغ السوفييتي السابق والتي تطالب بالاستقلال، بينما كانت ردود فعل الزعيمين الجورجي والأذربيجاني مباشرا، وبالرغم من تحالفهما مع الغرب، إلا أنهما رفضا الاعتراف باستقلال كوسوفو حتى لا يكون سابقة تشجع الأقاليم التي تطالب بالانفصال في بلادهما، لتتخذ نفس الخطوة.
خاصة أن رئيسي إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية الانفصاليين في جورجيا أعلنا أنهما سيسعيان للحصول على الاعتراف الدولي باستقلال إقليميهما بعد أن انفصل إقليم كوسوفو عن صربيا. وأعربا عن أملهما في أن تتجاوب القيادة الروسية مع دعوة القوى البرلمانية الروسية، وتعترف باستقلال الإقليمين.
ويبدو واضحا أن قرار الدول الغربية والولايات المتحدة بالاعتراف باستقلال كوسوفو لا يستند إلى مساعيهم في دعم حقوق القوميات وتقرير المصير، لأن هذه الدول مازالت تتجاهل حقوق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير، وانما جاء استقلال كوسوفو ليشكل إضافة جديدة لمشروع نشر الدرع الصاروخية الأميركية، وتوسيع انتشار قوات الناتو على الحدود الروسية.
المشكلة أن الولايات المتحدة والدول الغربية لا تحترم مصالح حلفاءها في المنطقة، ونقصد هنا أوكرانيا وجورجيا وحتى مولدافيا، التي تواجه أزمة في إقليم بريدنستروفيه، وهو ما تعلمناه من سياساتها في العراق عندما حاولت تمرير مشروع تقسيم العراق لخدمة مصالحها، ضاربة بعرض الحائط بمصالح دولة حليفة لها هي تركيا.
لذا فإن الاعتماد على مساندة واشنطن والغرب لن يجلب سوى المشاكل والصدامات، لأنهما خلال قصف بلجراد قدموا عشرات الوعود لمساندة الديمقراطيين الصربيين، ووعدوهم بتقديم 3 مليارات دولار مساعدات لإخراج صربيا من أزمتها، مقابل تسليم سلوبودان ميلوشوفيتش.
وما حدث معروف للمجتمع الدولي، حيث سلمت السلطات الصربية رئيس البلاد السابق لمحكمة لاهاي، التي فشلت في إدانته، ولم تحصل على أي دعم أو مساندة من الغرب أو من الولايات المتحدة، أكثر من هذا تلقت طعنة في الصميم بدعم الغرب لاستقلال كوسوفو، لتفقد واشنطن مصداقيتها في الشارع الصربي الذي كانت تسعى لاستقطابه نحو الغرب. لقد ألقى الغربيون حلفاءهم في صربيا في أتون الجحيم بدون اكتراث بمصائرهم السياسية. وفجروا سابقة تهدد أمن واستقرار وسيادة حلفائهم في وسط آسيا و القوقاز بل وحتى في أوروبا.
إن الكثير من الدول التي تعارض انفصال كوسوفو هي دول تعيش فيها جيوب تطالب بالانفصال، والدول التي تساند الانفصال هي دول تبحث عن موطأ قدم في تلك الدول الصغيرة الساعية للاستقلال. ويبدو ان العالم يسير للمزيد من التفكيك والتشظي عبر إثارة النزاعات الطائفية والعرقية والحدودية.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني
