وعد الملك الهاشمي فأوفى بوعده ، وأعلن يوم أمس عن مبادرة وطنية كبرى تخدم احتياجات كل الأردنيين من أصحاب الدخل المحدود في امتلاك المسكن الملائم من خلال حوافز وتسهيلات فريدة تحقق لهم حلما بات في السنوات الأخيرة بعيد المنال ، لولا الرؤية الملكية التنموية القديرة. الحق في المسكن الملائم هو من أهم حقوق الإنسان ، والحرص الملكي على حماية حقوق الإنسان الأردني وتوفير كل أسباب حماية الكرامة والاحتياجات الأساسية للحياة كان السبب الرئيسي في إطلاق هذه المبادرة العظيمة والتي سوف تخدم 100 ألف عائلة من ذوي الدخل المحدود والمتوسط.

المبادرة الوطنية للإسكان تتضمن خطة حكومية تمتد لخمس سنوات بانشاء 100 الف شقة تبدأ العام الحالي بانشاء 20500 شقة لمئات الآلاف من المواطنين من ذوي الدّخل المحدود والمتوسط وموظّفي القطاع العام ، والقوّات المسلّحة ، والأجهزة الأمنيّة ، والمتقاعدين العسكريين والمدنيين. يدرك جلالة الملك تماما أن متطلبات الحياة وارتفاع اسعار الموارد الأساسية جعلت من بناء أو شراء شقة ومسكن ملائم مسألة صعبة جدا إلا للمقتدرين ماليا أو القادرين على الإلتزام ببنود باهظة وصعبة من القروض البنكية ، ولكن فئة كبيرة جدا من المواطنين لا تملك هذه الإمكانية وهي تواجه الكثير من الضغوط المعيشية وتفتقد إلى الأمن الاجتماعي والاقتصادي خاصة مع قرب حلول العام 2010 والذي سوف يشهد تطبيق قانون المالكين والمستأجرين الجديد.

وفي رسالة واضحة للسلطة التنفيذية تضمنت ما هو أوسع من مبادرة الإسكان الحالية قال جلالته "أننا لا يمكن أن نتخلى أو نتراجع عن واجبنا ودورنا في حماية المواطنين ، باستخدام كافّة الوسائل الاقتصادية الممكنة والمتاحة للتخفيف من الآثار السلبية للغلاء وارتفاع أسعار المواد الأساسيّة - في حياة النّاس" وهذا توجيه واضح للحكومة بممارسة ولايتها الوطنية في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية المواطنين من تبعات موجات الغلاء المستمرة وعدم ترك المواطنين عرضة لتقلبات السوق ، كما كان جلالته قد أكد في افتتاح كلمته يوم أمس بأن مسؤولية مواجهة التحديات الراهنة هي مسؤولية مشتركة بين الحكومة والمواطنين. تفاصيل المبادرة كما أعلن عنها رئيس الوزراء تعكس توجها شموليا أخذ بعين الإعتبار محدودية القدرة الشرائية لغالبية المواطنين الأردنيين لتصبح هذه الشقق في متناول المستفيدين منها من خلال أنظمة اقتراض وسداد ميسرة جدا وفي مواقع تمتد على مساحة الوطن.

الخطوة الرئيسية كانت في التوجه نحو تقليص النسبة المحددة للإقتراض إلى ثلث الدخل كحد أعلى للقسط الشهري المقتطع لغايات الحصول على تمويل للإسكان ودون اشتراط تسديد دفعة أولى ، كما وضعت الحكومة الأسس والمعايير التي تمتاز بالشفافية والعدالة لتحديد المستفيدين وضمان الإستفادة العامة من هذه المبادرة.

الدراسات التي قامت المبادرة على اساسها اشارت إلى بعض الحقائق المقلقة ومنها نسبة حاجة الشريحة المستهدفة من المواطنين والذين تقل رواتبهم عن 300 دينار هي %66 من سوق الإسكان. وهذا ما يؤكد التباعد الكبير ما بين مشاريع الإسكان الحالية التي تعرض الوحدات السكنية بمبالغ باهظة خارج قدرة معظم المواطنين الأردنيين على الإقتناء.

هذه الدراسات أشارت ايضا إلى الحاجة إلى بناء 20 ألف وحدة سكنية سنويا لمواجهة الطلب على السكن في مشروع يستمر لمدة خمس سنوات ويكلف خمسة مليارات دينار ، وحسب المخططات الخاصة بالمشروع فإن معدل كلفة الشقة الواحدة سيكون بحدود 24 الف دينار تقسم الى 240 شهرا بقسط شهري مقداره 100 دينار وبدون دفعة أولى ، وهذا نظام مناسب لذوي الدخل المحدود والمتوسط بدليل وجود حوالي 18 ألف طلب حتى الآن سيتم التعامل معها بطريقة شفافة لحفظ حق الجميع والتأكد من ذهاب هذه المشاريع لمن يستحقها فعلا.

آلية التنفيذ سوف تتضمن تقديم أراض مجانا تمتلكها الخزينة لإقامة هذه المشاريع ، إضافة الى تحملها كلفة ربطها بشبكات البنية التحتية وإدارتها مما يقلل من كلفة البنية التحتية ويركز قيمة الإستثمار في عملية البناء ، والتي ستتم حسب مواصفات عالية ومن أهمها الإعتماد على الطاقة البديلة وبناء تجمعات متكاملة الخدمات من صحية واجتماعية وتجارية وترفيهية وإيجاد المساحات الخضراء والحدائق مستخدمين أنظمة بناء حديثة وعملية.. عملية بناء هذه التجمعات السكنية سوف تعتمد على الشراكة مع القطاع الخاص حيث سيتم التعاقد مع الشركات ذات الاختصاص في التطوير العقاري والإسكاني التي تمتلك القدرات الفنية والمالية لتنفيذ مثل هذه المشاريع.

ومن المؤمل أن تقوم هذه الشركات بدورها في المشروع من منطلق النظرة التنموية المتميزة التي تضمنتها المبادرة أكثر من النظرة الضيقة إلى المكاسب المالية ، وبالإضافة إلى ذلك ركزت الحكومة على أهمية البعد الإجتماعي في أن تكون هذه المدن ذات نسيج اجتماعي متوازن تحتضن كافة فئات وشرائح المجتمع الأردني الاجتماعية والمهنية وأن تكون أنموذجا للتخطيط العمراني والحضري الحديث وتحقيق أهداف الأمن الاقتصادي والاجتماعي المتكامل.

تعتبر هذه المبادرة واحدة من أهم المشاريع الوطنية على الإطلاق ، وربما الأكثر مساسا واستجابة للإحتياجات الأساسية للمواطن الأردني مما يجعل من تنفيذها مهمة وطنية تحتاج إلى كل السواعد والعقول الأردنية المتمكنة وإلى أقصى درجات المصداقية والشفافية في التنفيذ ومن المؤمل أن ترتقي جميع مراحل التنفيذ من أعمال البنية التحتية وتخصيص الأراضي والمقاولات والتسهيلات إلى المستوى العالي من معايير المصداقية المطلوبة لإنجاح هذا المشروع الذي يمثل مكرمة ملكية جديدة لحماية الامن الاجتماعي والاقتصادي في الأردن وضمان حق المواطن الأردني في مسكن ملائم.