الانتحال والتزوير ظاهرة قديمة في التاريخ الإنساني وقديما زور بعض اليهود رسالة مؤرخة في العام الخامس الهجري عثر عليها في مقبرة قديمة بمدينة الفسطاط بمصر يدعون فيها كذبا على النبي صلى الله عليه وسلم إعفاءهم من الجزية. وفي القرن الثامن الميلادي تم تزوير وثيقة تعطي الفاتيكان حقوقا في إيطاليا.... وهكذا لكن مثل هذه الحوادث كانت بنت عصرها أما اليوم في هذا العصر فإن الانتحال والتزوير يأخذان منحى مختلفا، تجسده القصة التي يدور حولها هذا المقال.

فيسك ليس الضحية

القصة تبدو للبعض طريفة وقد تكون بمعيار ما هو سائد في الإعلام العربي خبرا صغيرا في باب الطرائف والأخبار المنوعة الخفيفة في الصحافة العربية، لكنها في الحقيقة سابقة خطيرة في تاريخ الثقافة العربية وجرس إنذار لما يحدث في مجال الثقافة من تضليل كبير وفاحش ومنظم ومتبجح.

والأسوأ أنه يحدث في غفلة من الضحايا الذين لا يشعرون أساسا أن هناك شيئا يدبر في الخفاء. وقد لفت نظري إلى القصة لأول مرة المفكر المصري المرموق الأستاذ الدكتور حازم الببلاوي في مقاله الأسبوعي الأخير في «الأهرام» القاهرية، والقصة في عبارة واحدة هي أن الكاتب البريطاني الشهير روبرت فيسك فوجئ بكتاب واسع الانتشار في القاهرة عنوانه: «صدام حسين من الميلاد إلى الاستشهاد»، وقد صدم فيسك لأنه لا صلة له بالكتاب المنسوب إليه زورا!

وقبل أن نقرأ القصة كما يرويها فيسك أود الإشارة إلى أنني صادفت هذا الكتاب على الأرصفة في القاهرة وصدمني أن يصدر عن مثقف في حجم روبرت فيسك كتاب يمنح في عنوانه «درجة الشهادة» لشخص مثل صدام حسين. كان فيسك في بيروت عندما أرسلت له صحافية مصرية نسخة الكتاب مع رسالة تسأله فيها: هل فعلا أنت من ألف هذا الكتاب؟

روبرت فيسك نفسه يصف ما حدث فيقول إنه فوجئ بوجود هذا الكتاب المطبوع بعناية وسافر إلى القاهرة في ما يشبه المهمة البوليسية للبحث عن اليد التي تقف وراءه، وعندما حصل على الكتاب وعرف محتواه لفت نظره أن الكتاب منحاز لقسوة صدام، ولم يبد كاتبه اهتماما كثيراً بمدنيي حلبجة حيث أخفى الكاتب الجوانب السوداء والمظلمة والجرائم التي ارتكبها الرئيس السابق طوال فترة حكمه للعراق وانتقى سيرة تمجد الرئيس وتصوره بطلا سيرياليا وهو مغاير لوجهة نظر فيسك.

فمع أنه معروف بموقفه المعارض للحرب على العراق، إلا أنه اشتهر طوال سنوات عمله الطويلة في الشرق الأوسط بمقالاته المعارضة للسياسة التي انتهجها صدام حسين، لكن الكتاب المزيف جاء خاليا من أي إشارة إلى تلك الجرائم. ويعلق فيسك على اللغة الخطابية للكتاب قائلا: «لم يكن ذلك انتحالاً، كان ذلك تزويرا».

وفي تفاصيل القصة التي يرويها فيسك رائحة أشياء قد تثير الضحك عند البعض لكنها استنفرت عندي كل أحاسيس الريبة، فمكتب الناشر المطبوع بوضوح على الصفحة الثانية «إبداع» عنوانه 953 كورنيش النيل وبالوصول إليه فوجئ فيسك بالرد: «إننا لم ننشر أبداً مثل هذا الكتاب». بينما بيانات الإيداع القانوني الخاصة بالشخص الذي يفترض أنه ناشره هي: 13 شارع حسن رمضان بالدقي وكانت المفاجأة الثانية أن هذا العنوان «مسجد» وأن أي ناشر لم يسكن في المبنى المتداعي خلف المسجد.

والخيط الوحيد الذي اهتدى إليه فيسك هو شخص مؤلف اسمه «أمجد شكري» كان مقيما في المنطقة وتركها منذ عام تقريبا ويعمل في مكتبة صغيرة، وذهب إليها روبرت فيسك وسأل عنه ليجد أنه تركها وذهب ليقيم في مدينة جديدة قريبة من القاهرة هي مدينة 6 أكتوبر!

وبالتالي وصلت مهمة فيسك البوليسية إلى طريق مسدود ورضي من الغنيمة بالإياب!

البحث عن الشبح

الشبح الذي زور كتاب روبرت فيسك أكثر أهمية وتأثيرا في واقعنا العربي أكبر بكثير مما يظن أصحاب النوايا الحسنة، وهو لم يستهدف فيسك نفسه بل استهدف وعي القارئ العربي وليس «فردا» مغامرا استهوته فكرة فاجترأ عليها بل جهة منظمة حسبت حساباتها بدقة واستخدمت الوسيلة التي اختارتها بحرفية.

لقد أراد من نشروا هذا الكتاب الاستمرار في بناء أسوار من الأكاذيب حول «أسطورة» صدام حسين، ولا يحقق هذا الغرض مثل الانتحال باسم كاتب غربي في وزن وأهمية روبرت فيسك والرسالة التي لا يحملها الكتاب بداية من الغلاف أن الرجل «شهيد»، وبالتالي فإن العربة قبل الحصان والقارئ ليس في حاجة لأن يقرأ سوى الغلاف!!

ومن الرسائل التي يحملها الكتاب أيضا أن معارضي الحرب على العراق ـ وكان فيسك علما عليهم ورمزا لهم واسما من أهم الأسماء في قائمة مشاهيرهم ـ فإذا كان فيسك المعارض الغربي للحرب على العراق يرى صدام حسين شهيدا، فلا مصداقية إذا لموقف أي مثقف عربي معارض للحرب ما لم يقف على قبر صدام حسين باكيا واصفا إياه بالشهيد.

إن عملية تضليل خطيرة تحدث في العالم العربي تستهدف بشكل منظم إظهار خصوم الاستبداد بوصفهم «الطابور الخامس» الذي يعمل لصالح العدو، والجزء الظاهر من هذه العملية قابل لأن يكون موضوعا للرد والنقد والنقض، أما الجزء غير الظاهر فهو الأخطر، وكتاب فيسك المزور «عينة ممثلة» له.

ولقد أعادتني الواقعة للاهتمام بظاهرة «دولة التنظيم السري»، هذه الظاهرة التي تشير إلى دولة «تحت جلد الدولة» في عدد من الأقطار العربية، دولة وصفها السياسي العراقي حسن العلوي ـ عندما أراد أن يلخص تجربته مع صدام حسين ـ مستخدما تعبير «دولة المنظمة السرية»، وكذلك من يقرأ كتاب «جماعة الكتاب الأحمر» للمؤرخ اللبناني شفيق جحا وهو شاهد على التجربة بل شريك فيها، ومن صفوف هذه الجماعة خرج عديد من الضباط الانقلابيين في الشام والعراق. ومناخ السرية أثمر ثقافة السرية وثقافة السرية تعود الآن لتتبلور أمام أعيننا في قصة يراها كثيرون طريفة أو ساخرة، ولكنها كما قال المتنبي:

أمور يضحك السفهاء منها

ويبكي من عواقبها اللبيب

فإذا حددنا المستفيد من تبرير الاستبداد وتبييض وجهه فبالإمكان معرفة الفاعل في جريمة كتاب روبرت فيسك!

كاتب مصري