في مسرح «ندوة الثقافة والعلوم » بدبي مساء الجمعة الماضي، صفقت طويلاً لنجوم مسرحية علي جناح التبريزي، المسرحية الشهيرة للراحل الفريد فرج التي أعاد صياغتها، باللهجة الإماراتية، الكاتب الإماراتي المعروف محمد المر. وأكثر ما أسعدني بهذه المسرحية، فوق الأداء المميز للفرقة المسرحية، كان مقدرة فريق العمل في إخراج المسرحية بنكهة محلية رصينة قربت الفكرة كثيراً من «المحلية» بإسقاطات ذكية على الراهن الخليجي وأبرزت جماليات كثيرة في اللهجة الإماراتية.

يعرف كثير من الأصدقاء في دبي، ومنهم الأستاذ محمد المر، أنني من أكثر المتعطشين للمنتج الثقافي المحلي فالحياة بلا فن راق و دون منتج ثقافي محلي، له نكهة المكان ولهجة أهل البلد، تصبح مملة وكئيبة ومع الوقت تحيل الإنسان إلى «ماكينة» عمل فيمسي كائناً بلا لون ولا طعم ولا وجه!

لقد حضرت فعاليات فنية وثقافية عالمية تقام في دبي لكنني كنت - وما زلت - أثق أن المنتج المحلي وحده هو القادر على تشكيل «الهوية» الثقافية الحقيقية والأصيلة للمكان.

والمنتج الفني المحلي الرصين قادر على تجاوز الحدود والانطلاق إلى أبعد من حدود الوطن. ولدينا في الخليج أكثر من تجربة فنية محلية مهمة من أيام «درب الزلق» إلى «طاش ما طاش». انظر إلى العمل الفني الذكي «فريج» كيف تناول الشأن الإماراتي بتميز وذكاء.

تأمل قدرة المخرج الشاب محمد سعيد حارب في استثمار التقنية المعاصرة لاستحضار ثقافة «الجدة» و«الفريج» حتى أصبحت شخصيات (أم علاوي) و(أم سعيد) و(أم خماس) ورفاقهن رموز جديدة تتداولها الألسن في المنامة والكويت وجدة وأبها والرياض وعمان.

مسرحية علي جناح التبريزي تروي حكاية تتكرر في أكثر من زمن وأكثر من مدينة. إنها حكاية الغريب «الطارئ» الذي يغامر ويقامر بكل شيء لأنه ـ في الواقع ـ لا يملك ما يخسره فيبيع للناس قصوراً من وهم متكئ على غريزة الجشع التي تفقد «التاجر» أحياناً عقله فيخسر ما في يده طمعاً فيما هو أكثر حتى لو كان جبلاً من الأوهام والكذب. تلك قصة مجتمعات كما هي حكاية أفراد حولك وحولي. أنت وأنا ، مهما كنا حذرين، حينما يصبح «الوهم» هو السلعة الرائدة في محيطنا، نضارب عليها ونبيع فيها ونشتري، ننتهي إلى «حقيقة» فاجعة: الخسارة.

اترك القصة جانباً وأعود أتأمل في وجوه الحاضرين بمسرح ندوة الثقافة والعلوم. تختلط ابتسامة الإعجاب بأداء النجوم على المسرح بابتسامة الفرح بهذا الحضور المحترم في أرجاء المسرح الكبير. أضحك أكثر حينما يقترب فريق المتسولين في المسرحية من الصف الأول في المسرح حيث يجلس معالي عبدالرحمن العويس، وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، مداعبينه بالسؤال عن ميزانية مسارح الدولة.

كثيراً ما أعرب لأصدقائي في الإمارات وخارجها عن تقديري وإعجابي ببساطة وتواضع المسؤولين في دولة الإمارات، تواضع يكسبهم محبة الناس وتقديرها. وكثيراً ما تمنيت لو ان «كبار القوم» في عالمنا العربي تعلموا من أهل الإمارات كيف يقتربون أكثر من هموم الناس بالعيش قريباً من مواطنيهم وبعلاقة من البساطة والتواضع توطد العلاقة والثقة بين القيادات وشعوبها! لكن تلك إشكالية أخرى!

باع علي جناح التبريزي الوهم على تجار المدينة وملكها قبل أن يهرب مع رفيقه (قفة) وزوجته الأميرة ابنة الملك تاركاً المدينة وتجارها وملكها متشبثين بالحلم الوهم وما عاد علي ولم تصل القافلة. لقد أجاد الممثل حسن يوسف لعب دور علي جناح التبريزي وأثق أن هذا الممثل سيصبح رقماً مهماً في المسرح العربي متى ما هُيأت له، وبقية زملائه، فرصة الاستمرار في الحضور المسرحي الجاد.

فعلاً: لابد لقطاعات الثقافة والفنون العمل جدياً على خلق نوافذ جديدة للمنتج الثقافي والفني المحلي الرصين صاحب الرسالة التي تتجاوز مسرح التهريج المنتشر، للأسف، في أكثر من مكان في محيطنا العربي. دول الخليج العربية تحديداً معنية برعاية المشاريع الثقافية المحلية الرصينة واستمرارها كي تسهم في مواجهة أسئلة المستقبل حول الهوية الوطنية وتحديات الوجود الثقافي المحلي في ظل القلق المبرر على مستقبل اللغة والتراث والذاكرة المحلية.

المسرح تحديداً، متى ما رعته العقول المفكرة، يستطيع أن يلعب أدواراً مهمة في ربط الأجيال القادمة بتراثها وتاريخها ووجودها مثلما يمكنه إفاقة الوعي النخبوي والشعبي، بإسقاطات ذكية، على ما لا يمكن رؤيته من تحديات ومخاطر تحوم بالمجتمع أو في الطريق إليه.

والحرص على المنتج الثقافي المحلي ليس دعوة للانغلاق على الذات لأننا اليوم أمام حقيقة مؤكدة مفادها أننا اليوم جزء من عالم كبير ولم يعد بإمكاننا عزل أنفسنا عن حقائق الاتصال والتواصل المباشر مع العالم القريب منا والبعيد. لا لم يعد ذلك ممكناً. لكن التعامل الخلاق مع الآخر لا يتعارض أبداً مع الدعوة للحفاظ على الهوية المحلية أو التشبث بذاكرة المكان في ظل سرعة التغيير السريع المحيط بنا من كل زاوية.

حينما أذهب إلى لندن أو نيويورك أو بوسطن فإنني أقتنص أقرب فرصة للذهاب إلى المسرح. وفي كل مرة اذهب فيها للمسرح هناك أرى ملامح المكان ـ المحلية ـ حاضرة بقوة من القصة إلى الأداء إلى الحضور. هذا ـ بالطبع ـ لا يتعارض مع أهمية الإطلاع على الفنون العالمية والانفتاح على المنتج الثقافي والحضاري الآخر.

لكننا - خاصة في بلدان الخليج العربية - بحاجة لتأسيس وتأصيل ذاكرة المكان المحلية وتفعيل حراك المجتمع المحلي ثقافياً من خلال أعمال تعكس إيقاع المكان وتاريخه ونكهته. فهل يطوف فريق مسرحية علي جناح التبريزي دول المنطقة قريباً لتحريك الساكن المسرحي سريعاً؟ وهل تفتح الأبواب أمام منافسة خليجية مرجوة تشرع أبواب الإنتاج الثقافي الرصين وتقدم بديلاً مفيداً يحد من انتشار مظاهر «المزايين» وثقافة «ناقتي يا ناقتي»؟

رئيس تحرير مجلة فوربز العربية رئيس منتدى فوربز للقيادات التنفيذية

hattlan@post.harvard.edu